تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا التفسير هو المراد من كون الحي قادرا على الفعل.

وإذا عرفت هذه المقدمات. فنقول: إنا إذا تصورنا أمرا. فإن كان ذلك التصور نفعا، ترتب على ذلك التصور طلب تحصيله. وإن كان ضررا، ترتب عليه هرب ونفرة. ثم إذا صار ذلك الشيء مطلوب الحصول، ترتب عليه طلب جازم بأن المفضي إليه لا بد من تحصيله وهذا هو الإجماع الجازم والشوق التام إلى تحصيل الفعل. ثم إذا حصل هذا الإجماع والشوق تحركت الأعضاء.

فهاهنا مراتب أربعة أقربها إلى الفعل: هو القوة المحركة للأعضاء. وهي التي سميناها بسلامة المزاج، واعتدال البنية. ويتقدمها: الإجماع الجازم على الفعل. ويتقدمه: الميل اللذيذ أو

على الترتيب الذي ذكرناه، حتى يصدر الفعل عن الحيوان (1).

أما المرتبة الأولى: وهي القدرة وسلامة الأعضاء. فلا بد منها في حصول الفعل الاختياري. فإن الحس يشهد بأن المريض، والزمن العاجز، لا يمكنه لا الفعل ولا الترك الاختياري.

وأما المرتبة الثانية: وهي الإجماع الجازم على حصول الفعل. فهذا أيضا لا بد منه بدليل: أن البنية السليمة، والمزاج المعتدل، إذا لم يمل طبعه، لا إلى الحركة إلى هذا الجانب، ولا إلى الحركة إلى جانب آخر، فإنه ألبتة لا يصدر عنه. لا الحركة إلى هذا الجانب، ولا الحركة إلى جانب آخر. بل يبقى متوقفا إلى أن يظهر في قلبه ميل خالي عن المعارض.

فإن قالوا: المريض قد يميل طبعه إلى أكل طعام مخصوص، ومع ذلك يتركه. فعلمنا: أن حصول الفعل عقيب هذا العزم غير واجب. فنقول: هذا سوء فهم قررناه. وذلك لأن المريض إذا دعته شهوته إلى أكل الطعام. فهو إنما يمتنع من أكله، إذا اعتقد أن له في أكله ضررا، يزيد على اللذة الحاصلة من أكله. فلو لا أن تلك الداعية، صارت متعارضة بهذه الداعية الثانية، وإلا لحصل ذلك الفعل لا محالة. إلا أنه لما حصل هذا التعارض.

(1) قبل أن يجمع الإنسان على فعل أو بعبارة أخرى ينوي القيام به، أو عدم القيام به تمر هذه النية بمراتب من التأكيد معقدة، فقد تبدأ الفكرة بمجرد هاجس ثم تنتقل لخاطر ثم لهمّ ثم لعزم ثم للنيّة المقارنة للفعل. وقد يكون الفعل أو الترك تبعا لموقف طارئ فعلا نفسيا أو رد فعل نفسي أو انفعالا. وقد يكون الميل اللذيذ الذي ذكره الرازي يقارنه نوع من الألم أو المشقة لكن الطمع في الحصول على السعادة أو اللذة أو المصلحة أو المنفعة يجعل من العلم الإنساني عرضة للاحتمالات الكثيرة بحيث يصعب اخضاعه لآلية أو سببية معروفة. وهكذا فإن الدرجات بين مجرد الهم بالفعل أو ترجح الفعل على الترك - نفسيا - وبين الجزم بالقيام بالفعل والنية المقارنة له تبقى عرضة للكثرة والشدة والتفاوت بين فرد وفرد آخر. وقل مثل ذلك في الترك والهم بالترك.

القضاء والقدر · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٥٢