تخطَّ إلى المحتوى

الإتيان بهذه الأفعال، فلو كانت من خلق اللَّه، لصار هذا الحث والترغيب باطلا.

الحجة الثامنة عشر: عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة فلتدركه منيته، وهو مؤمن باللَّه واليوم الآخر، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (1) ووجه الاستدلال: إنه لو كان الإيمان بخلق اللَّه تعالى، لكان هذا الترغيب عبثا. لأن العبد لا يقدر على أن يموت مؤمنا إذا خلق اللَّه فيه الكفر، ولا يقدر على أن يموت كافرا إذا خلق اللَّه الإيمان فيه.

الحجة التاسعة عشر: عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول:

«البيان من اللَّه، والعيّ عن الشيطان. وليس البيان كثرة الكلام، ولكن البيان: الفصل في الحق، وليس العيّ قلة الكلام، ولكن من سفه الحق» (2) وهذا نص في موضع الخلاف.

الحجة العشرون: عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل: حرثت يا أبا هريرة أ لم تسمع إلى قول اللَّه: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ؟ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (3) وهذا من أوضح الدلائل على وجوب التفرقة بين فعل اللَّه وبين فعل العبد.

فثبت: أن الفعل المضاف إلينا مغاير للفعل المضاف إلى اللَّه.

ولنكتف بهذا القدر من الأخبار. فإن من وقف عليها يمكنه التمسك بأخبار كثيرة سوى ما ذكرناه. والمعتمد لنا في الجواب عن الكل: أن الأخبار التي تمسكنا بها على صحة قولنا معارضة لهذه الأخبار ولما تعارضت الأخبار وجب الرجوع إلى دلائل العقل. وقد بينا؛ أن دلائلنا العقلية أقوى وأكمل وأوضح.

وباللَّه التوفيق

(1) حديث «من أحب أن يزحزح عن النار» جزء من خطبة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم أولها: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم .. » رواه مسلم في الإمارة باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ((1472) / (3) رقم (1844)). أبو داود في الفتن باب ذكر الفتن. ودلائلها ((94) / (4) رقم (4248)) (روى طرفا منه) والنسائي ((153) / (7)) وابن ماجه ((1306) / (2) رقم (3956)) وأحمد ((161) / (2) و (191) و (192)).

(2) حديث «البيان من اللَّه ... » روى جزءه من قوله «ليس البيان» الديلمي في فردوس الأخبار ((445) / (3) رقم (5256)). وعزاه السيوطي للديلمي قال المناوي فيه رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وكلاهما ضعيفان (فيض القدير (356) / (5)). وهو يتعارض مع الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق» ويمكن الجمع بين الحديثين بحمل كل منهما على مورد مختلف ويكون الأول لفصل بيان الحق عن بيان النفاق وعي الشيطان عن عي اللسان.

(3) حديث «لا يقولن أحدكم زرعت ... » رواه البزار (كنوز الحقائق المناوي (ص (188)) وأبو نعيم في الحلية ((267) / (8)) وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه (الدر المنثور (160) / (6)) والديلمي (فردوس الأخبار (254) / (5)) والآية المذكورة هي من سورة الواقعة (رقم (63) و (64)).

القضاء والقدر · الصفحة ٣٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.