وأيضا: فكيف يقول لهم: لا تظالموا مع أنه تعالى هو الذي يخلق ذلك الظلم فيهم؟.
والثالث: قوله: «إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب. ولا أبالي» فلو كان حصول ذلك الخطأ بخلق اللَّه وإيجاده، كما أن الغفران منه، لم يكن في هذا التفضيل والتميز فائدة. وأيضا: فإذا خلق الخطأ غيره فهو تعالى إنما غفر للعبد بسبب فعل ما فعله العبد، وتصريح النص يبطل ذلك.
الرابع: إنه تعالى قال في آخر هذا الحديث: «هذه أعمالكم أحفظها عليكم» وهذا تصريح بأن هذه الأعمال أعمالنا، لا أعمال اللَّه. ثم قال: «من وجد خيرا فليحمد اللَّه» وهذا يدل على أنه تعالى خلق القدرة على الفعل، وهدى العبد إليه، ووضع الدلائل عليه وأرشد إليه، ومنع عنه أضداده. ثم قال: «ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» وهذا تصريح بأن المعاصي ليست من اللَّه ألبتة.
الحجة السادسة عشر: ما روى هشام الدستوائي قال: حدثنا قتادة عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن عياض بن حمار أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته (1) «إلا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلت عبادي فهو حلال لهم، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتاهم الشيطان فاحتالهم عن دينهم، وحرم عليهم ما حللت لهم» وهذه الخطبة طويلة. والمقصود منها: أنه عليه الصلاة والسلام صرح بأنه تعالى خلق الخلق حنفاء على السلامة الأصلية وإن الشياطين هم الذين أضلوهم عن الحق. فمن قال: إن اللَّه هو أضلهم عن الدين، فقد جاهر بتكذيب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في هذه الخطبة.
الحجة السابعة عشر: ما روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما» (2) ووجه الاستدلال بهذا الخبر: أنه حثه على
(1) حديث «ألا أن ربي أمرني» رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ((2197) / (4) رقم (2865)) وأحمد ((162) / (2)). وهي خطبة طويلة، وفيها بعض الاختلافات عن نص الرازي.
(2) حديث «يا أبا هريرة كن ورعا ... » رواه ابن ماجه في الزهد باب الورع والتقوى ((1410) / (2) رقم (4217)) وفي زوائد ابن ماجه: هذا إسناد حسن.