تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأول: إن تعالى قال بعد هذه الآية: فَما لِهاؤُلاءِ الْقَوْمِ، لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا

ولو كان حصول العلم والمعرفة بخلق اللَّه، لم يبق لهذا التعجب معنى. لأن السبب في أن لا تحصل هذه المعرفة على قول من يقول خالق أعمال العباد هو اللَّه: هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها. وذلك يبطل هذا التعجب. فلما حصل هذا التعجب، دل ذلك على أن العلم والمعرفة إنما يحصلان بإيجاد العبد.

الثاني: إنه تعالى قال بعد هذه الآية: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وجه الاستدلال به: أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية. ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه بقوله: قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأضاف السيئة في آخر هذه الآية إلى العبد بقوله: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ولا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين. ولما كانت السيئة بمعنى البلية والمحنة، مضافة إلى اللَّه تعالى، وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية، مضافة إلى العبد، حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين.

ولا يقال: هذا مدفوع من وجهين:

الأول: إن بعضهم قرأ فَمِنْ نَفْسِكَ (1)؟.

الثاني: إنه تعالى أضاف الحسنة إلى نفسه، حيث قال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ تعالى، وعند المعتزلة: أن الطاعات والمعاصي كلها من العباد. لأنا نقول: أما الأول. فجوابه:

من وجهين:

(1) أي: أ فمن نفسك على سبيل الاستفهام. والألف مضمرة. وهو قول مروي أكثر من كونه وجها أو قراءة شاذة. قال الشوكاني: «وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي: أ فمن نفسك؟. ومثله قوله تعالى وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ والمعنى: أو تلك نعمة؟ ومثله قوله فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ: هذا رَبِّي أي: أ هذا ربي؟ ومنه قول أبي خراش الهذلي:

رموني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم؟

أي أهم هم. وهذا خلاف الظاهر» (فتح القدير (489) / (1)) وقد حكى هذا الوجه ابن الأنباري (راجع أيضا البحر المحيط (301) / (3)).

والعجب أن الرازي في التفسير يذكر أن القراءة (فمن تعسل) قال: وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرءوا (فمن تعسك) فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريق الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن» (التفسير الكبير (190) / (10)) والأرجح أن القراءة هكذا هي المقصود في كتابنا في القدر لكونه لم يذكر إضمار الألف ولكونه قال: قراءة مهجورة مردودة وجارية مجرى تغيير القرآن على سبيل التصحيف والتحريف؛ وهذا يناسب كلمة تعسك أكثر واللَّه أعلم.

القضاء والقدر · الصفحة ١٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٧٧