الرابع: قال «الجبائي»: لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن طريق الجنة، ودار الثواب. ويرجع حاصله إلى فعل الألطاف. فيكون هذا هو الوجه الأول. أو يحمل ذلك على شيء آخر. وهو أنه تعالى: إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية: كفر. فقوله: لا تُزِغْ قُلُوبَنا محمول على أن يميته قبل أن يصير كافرا. فإن أبقاه حيا إلى السنة الثانية، يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة.
الخامس: قال «الأصم»: لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن كمال العقل بسبب خلق الجنون فينا
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بنور العقل.
السادس: قال «أبو مسلم الأصفهاني» (1): احرسنا من الشيطان، ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.
والجواب:
أما التأويل الأول: فضعيف. لأن مذهبهم: أن كل ما أمكن في قدرة اللَّه تعالى أن يفعل في حقهم من الألطاف، فقد وجب ذلك وجوبا، لو ترك لبطلت إلهيته، ولصار جاهلا أو محتاجا. والشيء الذي يكون، فأي حاجة إلى الدعاء والتضرع في طلبه؟.
وأما الثاني: فضعيف أيضا. لأن التسديد في التكليف. إن علم اللَّه أن له أثرا في حمل المكلف على القبيح، كان فعله من اللَّه قبيحا. وإن علم أنه لا أثر له في حمل المكلف على فعل القبيح، كان وجوده كعدمه، فيما يرجع إلى كون العبد مطيعا وعاصيا. فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.
وأما الثالث: وهو أن يكون المراد أن لا يوقع اللَّه علينا اسم الزيغ. فقد تقدم جوابه.
(1) هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب، متكلم معتزلي ومفسر ونحوي من الطبقة الثامنة عند ابن المرتضى - (ولد سنة (254) هو توفي سنة (322) ه) كان مقربا من الوزير علي بن عيسى وعينه الخليفة المقتدر واليا على أصفهان وفارس ثم عزله بعد ذلك ثم تولى ولاية أصفهان خلفا لابن رستم. من آثاره: جامع التأويل لحكم التنزيل في التفسير في (14) مجلدا، والناسخ والمنسوخ وغيرهما. (انظر: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص (91)؛ معجم الأدباء (35) / (18) - (38)، لسان الميزان (89) / (5) - (90)، الوافي بالوفيات (244) / (2)، الأعلام للزركلي (273) / (6)؛ الفهرست ص (202)، معجم المؤلفين (97) / (9)، تاريخ التراث العربي (72) / (1)).