أقصى ما في الباب: أن أفعال العباد قد تقع في بعض الأوقات، بخلاف تقديراتهم. إلا أن كون اسم حقيقة في جانب الثبوت، يكفي في حصوله حصول ذلك المسمى في بعض الصور، ولا يتوقف على حصول ذلك المسمى في كل الصور. وباللَّه التوفيق.
الحجة السادسة: قوله تعالى في أول سورة الفرقان: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (1) وجه الاستدلال بهذه الآية: من وجهين:
الأول: إنه تعالى قال: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وأفعال العباد: أشياء. فوجب كونه خالقا لها. ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الخلق: التقدير. وإلا لصار الكلام هكذا: وقدر كل شيء فقدره تقديرا.
الثاني: إنه تعالى ذكر أولا قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فكأنه قيل: هب أنه لا شريك له في ملك السموات والأرض. ولكن لم لا يجوز أن يقال: العبيد يخلقون بعض الأشياء، وهي أفعال أنفسهم؟ فذكر تعالى ما يزيل هذا الخيال. فقال: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ولو لم يكن المراد ما ذكرناه، لكان قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ مغنيا عن قوله: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً.
الحجة السابعة: قوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ، يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ (2) فإن قيل:
هذا يدل على أنه لا خالق غير اللَّه يرزقنا من السماء ولا يدل على أنه لا خالق غير اللَّه. سلمنا: أن هذه الآية تنافي إثبات خالق غير اللَّه، لكن العبد نسميه بالموجد والمحدث، ولا نسميه بالخالق، لأن الخلق عبارة عن التقدير العاري عن وجوه الخلل. وذلك في حق العبد محال.
والجواب عن الأول: إنه لو وجد خالق غير اللَّه، لوجد خالق غير اللَّه يرزقنا من السماء، لأنه يقال: رزق السلطان فلانا، إذا أمكنه من التصرف فيما جعله رزقا له. فكذا هاهنا، الملائكة الذين هم سكان السموات، إذا سعوا في إنزال الأمطار، فقد مكنوا أهل الأرض من الانتفاع بها. إذا ثبت هذا فنقول: على مذهب الخصم: الملائكة يخلقون أفعال أنفسهم. وهم أيضا يرزقون
(1) سورة الفرقان الآية (2).
(2) سورة فاطر الآية (3).