تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: «هو»: مبتدأ. واَللّاهُ الْخالِقُ خبره. وهذا يقتضي أن لا يكون في الوجود إله خالق سوى اللَّه، ولا يقتضي أن لا يكون في الوجود خالق سوى اللَّه. كما إذا قلنا: هو الواجب في موجوديته. فإنه لا يقتضي أنه لا موجود سواه، بل يقتضي أنه لا موجود واجب الوجود سواه.

سلمنا: أن هذه الآية تفيد أنه لا خالق إلا اللَّه. إلا أنا نقول: العبد محدث لأفعال نفسه وموجد لها. ولا نقول: إنه خالق لها. لأن الخلق عبارة عن التقدير. فالخالق هو الذي يقع فعله مقدرا بالتقدير الذي يقدره به، على الوجه الذي يوقعه عليه. وهذا لا يصح إلا من اللَّه تعالى.

فأما العبد فإنه في أكثر الأمر يقدر شيئا، ويقع بخلافه. فلا جرم لم يجز إطلاق اسم الخالق عليه. واللَّه أعلم.

والجواب: إنا قد دللنا في كتاب «لوامع البينات. في تفسير الأسماء والصفات» (1): إن اللَّه اسم علم. وثبت أن اسم العلم لا يفيد فائدة سوى دلالته على الذات المخصوصة. ولهذا السبب قالوا: إن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات. إذا ثبت هذا فنقول: لا يمكن أن يكون الحصر عائدا إلى مفهوم قولنا: «اللَّه» هو تلك الذات المخصوصة، فلو عاد الحصر إليه، لصار معنى الكلام: إن ذلك المعين ليس إلا ذلك المعين، ومعلوم: أن هذا الكلام عبث، لأن كل شيء معين، فذاك ليس إلا ذاك فلا يبقى لتخصيص ذات اللَّه بهذا الحصر فائدة.

فثبت: أن هذا الحصر لا يمكن عوده إلى مفهوم قولنا «اللَّه» فوجب أن يكون هذا الحصر عائدا إلى المفهوم من لفظ الخالق. وحينئذ يصير تقدير الآية: هو الخالق. وذلك يقتضي حصر الخالقية فيه.

وأما السؤال الثاني. فجوابه: إن الخالق بمعنى المقدّر هو الذي يوقع الشيء على مقدار

مخصوص. فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه، لكان العبد موجدا لها على مقاديرها المخصوصة في العدد والزمان والمكان. فكان مقدرا لها، فوجب كونه خالقا لها، وحينئذ يبطل الحصر الذي دلت الآية عليه.

(1) انظر لوامع البينات للرازي - طبع دار الكتاب العربي بيروت ص (114) وما بعدها.

القضاء والقدر · الصفحة ١٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٤١