تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: إنه تعالى جعل كونه خالقا للأشياء، علة لكونه مستحقا للعبادة. بدليل: أنه تعالى، لما ذكر كونه خالقا للأشياء، أتبعه بقوله: فَاعْبُدُوهُ فلو كانت عبادتهم له، داخلة في قوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لصار الشرط عين الجزاء. وهذا باطل. لأنه يصير في التقدير كأنه يقول: يا عبدي، فعلت أنا عبادتك، فافعلها أنت بعينها أيضا. ومعلوم أن هذا الكلام باطل.

الثالث: إن قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ يدل على أن خلق تلك الأشياء، قد حصل ودخل في الوجود، وصار مفروغا منه، كما إذا قال قائل: فلان قاتل زيدا: فهم منه: أن ذلك القتل قد حصل، ودخل في الوجود، وفرغ منه. وأما قوله: فَاعْبُدُوهُ فهو أمر، والأمر إنما يتعلق بما يكون حاصلا في الحال. لكنه مما سيحصل.

قلت: إن كل ما دخل تحت قوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فقد حصل في الحال، ولا داخل في الوجود. وهذا يفيد القطع بأنَّ الداخل تحت قوله: فَاعْبُدُوهُ غير داخل تحت قوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

والوجه الثالث في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية الدالة على كونها مخصوصة، بما سوى أفعال العباد: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ. فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وهذا تصريح بأن العبد مستقل بأفعال نفسه، وأن زمام الاختيار إليه، وأنه ألبتة غير مجبور على شيء من أفعاله.

فهذه الوجوه الثلاثة: دلائلا متصلة بهذه الآية دالة على كونها مخصوصة، بما سوى أفعال العباد.

وأما الدلائل المخصصة المنفصلة. فهي ثلاثة: بديهية العقل، ودليل العقل، ودليل السمع.

أما الأول. وهو بديهة العقل. فتقريره: أن أصحاب «أبي الحسين» قالوا: حسن المدح والذم والمؤاخذة والمطالبة: معلوم بالضرورة، ونعلم أيضا بالضرورة: أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه، لما حسنت هذه الأشياء، فلما كان العلم بحسن المدح والذم ضروريا، وكان العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه أصلا لذلك العلم، وثبت أن ما كان أصلا للعلم الضروري، أولى أن يكون ضروريا؛ ثبت: أن العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه، علم

القضاء والقدر · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٣٣