أما الدلائل المتصلة: فمن وجوه:
الأول: إن قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مذكور في معرض المدح والثناء. لأنه تعالى قال في سورة الأنعام: لا إِلهَ إِلّا هُوَ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. فَاعْبُدُوهُ. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (1) فأول هذه الآية مدح، وآخرها مدح، فوجب أيضا:
أن يكون المتوسط مدحا، وإلَّا لصار الكلام: ركيكا. فثبت: أن قوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ:
مذكور في معرض المدح والثناء على اللَّه تعالى. وكونه فاعلا للجهل والكفر والقبائح والفواحش، يوجب الذم العظيم. بل نقول: إن على مذهب المجبرة، لا مذموم إلا وفاعله هو اللَّه تعالى، فوجب أن لا يستحق الذم أحد إلا اللَّه. وأيضا: لو كان تعالى موجدا لأفعال العباد، ثم يأمرهم بالطاعة والإيمان، صار كأنه يقول لعبيده: يا من لا يمكن أن يفعل: افعل. وكأنه يضرب الزّمن، ويقول له: طر في الهواء، ويضرب الأعمى، ويأمره بنقط المصاحف، ويقيد يدي عبده ورجليه ويرميه من شاهق جبل، ثم يضربه فيما بين الهواء، ويقول له: قف. ومعلوم: أن مثل هذا الشخص لا يوجد في الدنيا، أشد استحقاقا للذم منه.
فثبت بما ذكرنا: أن قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مذكور في معرض المدح والثناء، وثبت أن كونه خالقا لأفعال العباد، يوجب الذم العظيم، فصارت هذه القرينة: قرينة دالة على أن عموم قوله: اَللّاهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: مخصوص، بما سوى أفعال العباد.
والوجه الثاني في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية، الدالة على كونها مخصوصة بما سوى أفعال العباد: أنه تعالى لما قال: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أردفه بقوله: فَاعْبُدُوهُ وهذا يدل على أن العبادة ليست فعلا للَّه تعالى. وبيانه من وجوه:
الأول: إنه تعالى أمرهم بها، وكيف يعقل أن يأمرهم بما لا يكون فعلا لهم.
(1) سورة الأنعام الآية (102) - (103).