تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يقال: إنه يقبح من اللَّه تعالى خلق المعجز عقيب دعوى الكاذب مطلقا. وذلك لأنه تعالى خلقه لغرض تصديقه، فهو قبيح. وإن خلقه لغرض آخر فهو أيضا قبيح. لأنه يوهم كونه واقعا لغرض التصديق. وكما أن فعل القبيح قبيح، فكذا فعل ما يوهم القبيح قبيح أيضا. لأنا نقول: لا نسلم أن فعل ما يوهم القبيح: قبيح. ألا ترى أن إنزال المتشابهات قبح تقصيرا من المكلف. حيث قطع لا في موضع القطع. فكذا هاهنا. لما ثبت أن خلق المعجز، عقيب دعوى الكاذب، يحتمل وجها آخر، سوى التصديق. فلو جزم المكلف بحمله على التصديق، كان التقصير من المكلف. حيث قطع لا في موضع القطع.

فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن الإشكال الذي ألزموه علينا، فهو أيضا لازم على أصولهم، من هذه الوجوه الثلاثة.

وباللَّه التوفيق وأما بيان أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه، ينافي الإقرار بكون القرآن حجة:

فبيانه من ثلاثة أوجه.

الأول: إنه لما لم يقبح منه تعالى، خلق الضلالات والفواحش. فكيف يقبح منه أن يكذب؟ ومع هذا التجويز لا يبقى القرآن حجة. لا يقال كلام اللَّه صفة قديمة، والصفة القديمة يمتنع أن تكون كذبا. لأنا نقول: إن هذا الكلام: باطل من وجوه:

الأول: إنا لا نسلم أن كلام اللَّه صفة قديمة. فإن ذلك مما عظم الخلاف فيه، بيننا وبينكم.

ثم نقول: لو كان كلام اللَّه قديما، لكان كذبا. والدليل عليه: أنه مشتمل على الإخبار عن الأمور الماضية. كقوله تعالى: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) - إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (2) والإخبار عن الأمور الماضية لا يكون صدقا إلا إذا كان المخبر عنه سابقا على الخبر.

وكون الأدنى مسبوقا بغيره: محال.

(1) سورة القدر الآية (1).

(2) سورة نوح - عليه السلام - الآية (1).

القضاء والقدر · الصفحة ١١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١١٩