تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول الحق: إن هذا التحنث كان قبل أن يمن الله على محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وكان المجتمع الذي فر منه مجتمع وثنية وفسوق، ففر إلى الغار، هرباً بنفسه من هذه الحياة المدمرة الفاسقة، أما بعد أن أصبح رسولاً، فإنه لم يأو إلى غار يتحنث فيه ولم يؤثر الفرار من المجتمع ولا العزلة عن الناس، وكيف يعتزلهم، أو يفر منهم وهو يتلو قول الله: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾، وليس من جهادهم الجثوم في كهف، أو على قُنَّة جبل.

كيف يفر، وهو يتلو قول ربه: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾، وليس من هذا الجهاد الانطواء على النفس، والتفرد في مغارة!!

عاش صلى الله عليه وسلم بعد أن منَّ الله عليه بالرسالة مكافحاً مناضلاً مجاهداً عاملاً في دأب وصبر كريم، لا يأوي إلى غار، ولا يهفو إلى عزلة، ولا يحنو على فرار، والله يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. فهل تحنث رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار بعد أن أصبح رسولاً؟ وهل نحن مكلفون بالاقتداء به قبل أن يكون رسولاً، أو بعد أن أصبح رسولاً؟ والجواب في الآية الكريمة، وتدبر كلمتي «رسول الله»؛ إذ لا يصلح أن يوضع مكانها كلمة «محمد»، فالقدوة بمحمد الرسول صلى الله عليه وسلم، لا «بمحمد بن عبدالله» مجرداً عن هذا الوصف المحكم.

ويقول الناهون عن الزواج: إننا نستند في هذا إلى قول ربنا: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾.

وما من شك في أن زعمهم هذا كله تلبيس وتدليس وتجاهل، فكلمة «من» وهي تفيد التبعيض رد محكم على زعم هؤلاء، وفوق هذا تقول الآية ﴿فاحذروهم﴾، وما في الأمر بالحذر أمر بتجنب، أو صدع بنهي عن التزوج وإنجاب البنين.

ثم ما رأي هؤلاء في قوله سبحانه: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، فهل ننظر إلى آية الله على قدرته ورحمته نظرة جحود، وننزو عليها بالكفر.

إن الإسلام لم يدع إلى العزبة، وإنما دعا إلى الزواج، اسمع قول الله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».

قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم القوم الذين قلتم كذا، وكذا؟! أما

عبدالرحمن الوكيل وقضايا التصوف · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبدالرحمن الوكيل وقضايا التصوفص ٦١