والشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - كان حريصاً على أن ينفي عن نفسه صفة التحيز أو التحامل على الصوفية فكثيراً ما يناشد القارئ إن مَسَّهُ فيما يقول عنهم وهمٌ أو ريبةٌ، إلا ما قرأ شيئاً من كتبهم، ولذا يقول:
«وقد يعيب علينا بعض من سحرتهم طقوس الصوفية وشاعريتها الكهنوتية، قد يعيبون علينا العنف في المحاجة، لكننا نقول لهؤلاء: رويدكم، إنما نسمي الأشياء بأسمائها ونصفها بصفاتها، فلا نقول عن الزقوم أنه تفاح الجنة، ولا عن الغسلين إنه رحيق الفردوس، ولا عن الشرك إنه توحيد.
بل نحسب أن نداهن النفاق فنزعم أن شرك الصوفية خطأ فحسب» (1).
وهنا يوجه الخطاب إلى القارئ يرشده إلى الطريقة التي يعرف بها الحق، ناصحاً له، بقوله: ناشدتك الله (2) - إن مسك فيما أقول وهم ريبة، أو فتنك منهم عن الحق غزل ابتسامة، أو ترنيمة عاشقة بتسبيحة أو دعاء، ناشدتك الله إلا ما قرأت شيئاً من كتبهم، لتعرف رب الصوفية الأعظم، اقرأ من الفتوحات أو الفصوص، أو ترجمان الأشواق، أو عنقاء مغرب، وكلها لابن عربي».
اقرأ من «الإنسان الكامل» للجيلي من تائية ابن الفارض وشرحها للنابلسي أو القاشاني، اقرأ من الطبقات والجواهر، والكبريت الأحمر للشعراني، اقرأ من «الإبريز» للدباغ. اقرأ من كتاب «الجواهر والرماح» وهما للتيجانية، و «روض القلوب المستطاب» لحسن رضوان، بل اقرأ حتى «مجموع الأوراد ودلائل الخيرات».
وعن أهمية هذه الكتب عند الصوفية يذكر - رحمه الله - طائفة من الألقاب التي خلعوها على بعض واضعيها قائلاً: «فما دعوتك إذن إلى تلاوة كتب تنقم منها الصوفية دلائل الحق، وإشراق الهدى، بل إلى كتب يقدسها الصوفية على اختلاف نوازعهم، وتباين أهوائهم» (3).
«إن الصوفية تنعت ابن عربي بأنه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر»، وتخر له ساجدة، والجيلي بأنه «العارف الرباني والمعدن الصمداني»، وابن الفارض بأنه «سلطان العاشقين»، والشعراني بأنه «الهيكل الصمداني والقطب الرباني»، وإيمان الصوفية بكتبهم لا يتزعزع وإن أظهروا لك القول بأن ما فيها من خروج عن الحق إنما هو مدسوس عليهم (4).
ومن بعد ذلك، ومن قبل كل ذلك، أترك لذكائك وفطنتك أن تحكم عقلك فيما هو خطأ وما هو صواب، كما أدع لكل ذي بصر وبصيرة، أن يفرق بين الحق وأهله، وبين الباطل وحزبه، وآمل في النهاية أن يرجع كل صاحب ضلالة عن ضلالته، إلى القول السديد، وإلى كلمة التوحيد، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
(1) كتاب هذه هي الصوفية (ص 22) للشيخ عبدالرحمن الوكيل.
(2) نفس المصدر (ص 34، 35).
(3) كتاب هذه هي الصوفية (ص 34، 35).
(4) انظر رسالة صوفيات للشيخ عبدالرحمن الوكيل (ص 12، 13).