ويكفي إنصافاً في العرض أنك تجد الشيخ الوكيل عندما تكلم عن فكرة الحب عند الغزالي قال عنه: «وقد تكلم الغزالي عن حب العبد لله، وعن حب الله لخلقه، وفي كلامه عن الحبين لمعاتٌ من نور الحق ولكنها مغشاة بصوفية كثيفة الظلام».
وقد توصل في بحثه لفكرة الحب عند الغزالي إلى أنه يرى أن من أسباب المحبة المناسبة والمشاكلة؛ لأن شبيه الشيء منجذب إليه.
وأن الحب يثمر نوعاً من الأنس الذي يثمر انبساطاً في الأقوال.
كما أن صفوة المحبين الصادقين عند الغزالي هم من لا يحبون الله خوفاً من النار أو رجاء في الجنة، وإنما يحبونه لذاته (1).
يقول الغزالي: «قال أبو سليمان الداراني: إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة» (2).
وينقل عن معروف الكرخي أن تلميذاً له سأله «يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق، فسكت؛ فقال- أي التلميذ - ذكر الموت؟ فقال - أي الجنيد - وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ؟ فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكاً هذا كله بيده: إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا».
وينقل الغزالي ونشوة الطرب تستخفه عن علي بن الموفق أنه رأى بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل في الجنة على مائدتين، والملائكة عن إيمانهم وشمائلهم يطعمونهما من جميع الطيبات، ثم رأى رجلاً آخر في سرادق العرش من حظيرة القدس قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى، لا يطرف، فسأل رضوان عنه فأنبأه أن هذا الرجل هو معروف الكرخي، وأنه استحق هذه المنزلة؛ لأنه عبد الله لا خوفاً من ناره ولا شوقاً إلى جنته بل حباً له، فأباحه النظر إليه يوم القيامة (3)!!
ومعروف هذا الصنم الذي يصدق الغزالي أن له هذه المنزلة كان يقول: «إن كانت لك حاجة إلى الله، فأقسم عليه بي» (4)، فهل بهذا القول الكافر استحق معروف عند الغزالي المنزلة العظمى!
غشيت الصوفية (5) بصائر عشاقها بما تسحر من فنون الخيال الغزالي، والشاعرية الحالمة في الصور البيانية المتأنقة الفتنة، المكحولة الروعة، ذلك ما جعل بعضهم يجادلنا في شأن الصوفية، فيأتينا بأدعية ونجاوى صوفية،
(1) مجلة الهدي النبوي عدد 6 لسنة 1383 ه.
(2) ص 289 ج 4 الإحياء.
(3) ص 266 ج 4 الإحياء.
(4) ص 9 الرسالة للقشيري، ويقول عن القشيري: «يستشفى بقبره».
(5) كتاب هذه هي الصوفية: عبدالرحمن الوكيل ص 181 - 185.