تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح العقيدة التدمرية للشيخ عدنان عبد القادر ج - 5

الشيخ عدنان عبد القادر

- يقال له : وكذلك إذا قلت ، ليس بموجود ولا عليم ولا حي ولا قدير ، فقد شبهت الله بالمعدومات فهو عندك عدم ، وهذا أقبح من التشبيه بالموجودات .

* إذا قال : أنا لا أقول هو موجود ولا معدوم ، ولا أصفه بالحياة ولا الموت ولا أصفه بالعلم ولا الجهل . - يقال له : قد وصفت الله بالمستحيلات ( الممتنعات ) إذ الإله إما موجود وإن لم يكن كذلك فلا بد وأن يكون معدوماً . ولا مخرج غير ذلك .

* فاذا قال : الجمادات لا توصف بأنها تعلم ولا توصف بأنها تجهل . فهذا ممكن .

- يقال له : أولاً ، قد شبهت الله بالجمادات ، وهوأشد وأعظم مما فررت منه من التشبيه بالأحياء .

ثانياً ، هذا الكلام لا ينطبق على صفة الوجود والعدم ، فإما وجود أو عدم .

( نفي الصفات يستلزم تشبيه الله بالمعدومات والممتنعات )

- يقال له : صف لنا ربك .

* إذا قال : لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر وليس بحي ولا يعلم ولا يقدر.

- يقال له : أيهما أكمل ، المتكلم والسميع والبصير والحي والذي يعلم ويقدر أم الأخرس الأصم الأعمى الميت الجاهل العاجز ؟!

* إذا قال : إذا كان الموجود يقبل ( له قابلية ) الاتصاف بهذه الصفات أكمل في حقه --> كالأحياء . وإذا لم تكن له قابلية الاتصاف بهذه الصفات ، فعدم الاتصاف بها ليس نقصاً --> كالجمادات .

- يقال له : هل العصا جماد ، لا تقبل الاتصاف بالحياة .

* إذا قال : نعم .

- يقال له : أولاً ، هذا الكلام معارض لقول الله تعالى ولخبره ، إذ بعث الحياة في عصا موسى فأصبحت حية ابتلعت الحبال والعصي ثم خرجت منها الحياة .

ثانياً ، أيها أعظم نقصاً ، الذي يقبل الاتصاف بهذه الصفات أم الذي لا يقبل الاتصاف بها ( قارن بين الانسان والحائط ) .

ثالثاً ، أيهما أعظم نقصاً ، الذي لا يقبل الاتصاف بها أم الذي يقبل الاتصاف بها ولم يتصف بها ( قارن بين الحائط ، والأخرس الأصم الأعمى ) . إذ جعلتم الله تبارك وتعالى الحي الجبار المتكبر القدوس العزيز العليم القدير أعظم نقصاً من كل ما سبق .

رابعاً ، إذا كان الله تعالى غير قابل للاتصاف بها فقد شبهتم الله بالجمادات .

قالوا : -

السلب والايجاب : لا بد من توفر عدة شروط :

1. أحدهما وجودي ( ايجاب ) --> مثال : موجود .

والآخر عدمي ( سلب ) --> غير موجود .

2. لا يمكن اجتماعهما معاً في محل واحد ، كوجود الشيئ وعدمه في وقت واحد .

3. لا يمكن ارتفاعهما في وقت واحد عن محل واحد .

4. إذا عدم أحدهما ثبت الآخر ولا بد .

العدم والملكة :

1. أحدهما وجودي ( البصر ) ، والآخر عدمي ( العمى ) .

2. لا يمكن اجتماعهما في محل واحد .

3. يمكن ارتفاعهما معاً عن محل واحد ، فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر فالحجر لا يقال له أعمى ولا بصير .

ان قالوا : نفي النقيضين عن الله تعالى ليس من الممتنعات ، ذلك لأن نفي النقيضين لا يعتبر من الممتننعات إلا إذا كانا متقابلين تقابل السلب والايجاب فهذا هو تقابل التناقض ، أما الشيئ الذي لا يقبل الاتصاف بهما أو بأحدهما فلا يقال في حقه نفي التناقض وانما هو تقابل العدم والملكة ، مثال ذلك ، الحجر والجماد ، لا يقال في حقه لا يسمع ، ولا يبصر وليس حياً ، لا يتكلم ، ميت ، أعمى ، أبكم ، ولا يقال في حقه ، يسمع ، يبصر ، حي ، يتكلم .

- الجواب :

1. الوجود والعدم : باتفاق العقلاء ، فان هذين يتقابلان تقابل السلب والايجاب فاذا انتفى أحدهما ثبت الاخر ، ولا يصح انتفاؤهما جميعاً ولا اثباتهما جميعاً في محل واحد ، فاذا لم يكن موجوداً كان معدوماً ، واذا لم يكن معدوماً كان موجوداً . فيلزمكم اثبات أحدهما ، فاذا اثبتموه فقد وقعتم في التشبيه والتمثيل على قاعدتكم ، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر ، فقولوا في كل الصفات ما قلتموه في إثبات الوجود .

2. قبول الجمادات الاتصاف بأحد المتقابلين :

أ. نفي الله تعالى هذه الصفات عن الجمادات : قال تعالى عن صنم العجل الذي عبده بنو اسرائيل : ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ﴾ ، قال تعالى عنه ﴿ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾ ، وقال تعالى مخبراً عن ابراهيم في جداله مع أبيه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ ، فقال له ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ فوصف الأصنام بهذه الأوصاف : لا تسمع لا تبصر ، لا تغني وهي جمادات ، وقال عن قوم فرعون بعد هلاكهم ﴿ فما بكت عليهم السماء والأرض ﴾ ، مما سبق يتبين أن الجمادات توصف بالنفي ، فكيف يقال بأنها لا توصف بنفي هذه الصفات ولا اثباتها .

ب. وصف الله الجمادات بالحياة والموت : قال تعالى عن الأرض ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ﴾ ،

وقال تعالى عن الاصنام في قول للمفسرين ﴿ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ، أموات غير أحياء ، وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ النحل . راجع الدرء ( 4/39 ) ( 3/368) ( 5/273) ، وقال تعالى عن الأنباء ﴿ فعميت عليهم الأنباء يومئذ ﴾ فوصفها بالعمى ، وقال عن الجدار ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ فوصفه بالارادة ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبل أحد ( يحبنا ونحبه ) .

ج. ان الجمادات قابلة للاتصاف بها ، وهي من خوارق العادات : ( فهي غير متصفة بها ، ولكنها قابلة لذلك ) ، كما قال تعالى عن عصا موسى التي بث فيها الحياة ﴿ فإذا هي حية تسعى ﴾ ، وأنها تلقف ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ ، وأخبر عن الجلود أنها تتكلم ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ، قالوا : أنطقنا الله الذي انطق كل شيئ ﴾ . الدرء ( 4/32 )

3. لو صح فرضكم أن الجمادات لا توصف بأحد المتقابلين ، لوجب وصف الله تعالى بالصفة الثبوتية الكاملة ، وذلك لأنه :

أ. مجرد نفي صفة الكمال ، وعدم الاتصاف بها نقص ، فعدم اتصافه بالسمع والبصر أو الحياة أو الكلام فهو نقص إذ نقص عن الكمال التام ( كما مر سابقاً ) ، والله سبحانه منزه عن النقص ، ( قاعدة النفي الأولى ) .

قال شيخ الاسلام في درء التعارض ( 3/368) " ان نفي هذه الصفات نقص ، وان لم يسم ( أي النقص ) جهلاً وبكماً " أ.هـ . لذلك أنكر الله تعالى على الكفار عبادة من ﴿ لا يسمع ولا يبصر ﴾ ، ﴿ لا يكلمهم ولا يهديهم ﴾ .

ب. ما لا يقبل صفات الكمال أنقص ممن يقبل الاتصاف بها ، فالجماد أنقص من الحي . فالله سبحانه وتعالى أولى بالتنزيه عن هذا النقص ( قاعدة النفي الأولى ) ، انظر ما قاله شيخ الاسلام في الدرء ( 3/367-368) ، ( 5/274) .

ج. الذي يقبل الاتصاف بها ولو لم يتصف بها ( كالاعمى ) أكمل ممن لايقبل الاتصاف بها ( كالجماد ) ، الأعمى أكمل من الجماد باتفاق العقلاء . فقبول الاتصاف بهذه الصفات أكمل ممن لا يقبل ، والله سبحانه أولى بالكمال ، الله تبارك وتعالى أولى بأن يقبل الاتصاف بها ( قاعدة الكمال الأولى ) .

د. الذي يقبل الاتصاف بها ويتصف بها ( كالبصير ) أكمل ممن يقبل الاتصاف بها ولا يتصف بها ( كالأعمى ) . فاتصاف الله تعالى بهذه الصفات من باب أولى لأن الاتصاف بها أكمل ( قاعدة الكمال بالأولى ) . راجع الدرء ( 4/38-39) ( 3/368) .

هـ. يقتضي كلامكم أنكم شبهتم الله تعالى بالجمادات ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيرا .

4. الرد على موضوع ( السلب والايجاب ) .

أ. لا يقتصر تقابل التناقض على السلب والايجاب ، فهذا التقسيم لا يعرف في اللغة ولا الشرع ولا العقل ، إذ ممكن الوجود وواجب الوجود للشيئ ، كلاهما ايجابيان ومع ذلك هما متقابلان تقابل التناقض ، فلا يمكن أن يجتمعان في شيئ فيكون الشيئ ممكن الوجود وواجب الوجود ، ولا يمكن ارتفاعها عن شيئ بحيث لا يكون لا ممكن الوجود ولا واجب الوجود ، إذ لا بد للشيئ من احدهما ، فهما متقابلان تقابل تناقض وهما ايجابيان وليسا سلباً وايجاباً .

* فبطل هذا التقسيم ، إذ زعموا أن التناقض لا يكون إلا السلب والايجاب فلا يكون في غيره ، قالوا : والعدم والملكه ليسا من السلب والايجاب ، فاذا أمكن التناقض في غير السلب والايجاب فيمكن تقابل التناقض في ( العدم والملكه ) . ومثال آخر : الموت والحياة ، هما ايجابيان في حق من قال إن الموت ايجابي حيث يؤتى به ويذبح يوم القيامة ، فهل ممكن اجتماعهما في محل واحد .

ب. ( العدم والملكة ) أحد أنواع ( السلب والايجاب ) : ويدخل فيه ، ذلك لأن السلب نوعان ويقابل كل نوع ايجاب .

1. السلب الأول : سلب ما يمكن الاتصاف به ( كالعدم ) ، ويقابله الايجاب الأول : اثبات ما يمكن الاتصاف به ( الممكن ، وهو الذي لا يجب وجوده ) فهذا هو العدم والملكه .

2. السلب الثاني : سلب ما لا يمكن الاتصاف به ( سلب الممتنع ) ( زيد ليس بحجر ) .

الايجاب الثاني : اثبات ما لا يمكن ترك الاتصاف به ، وكل ما ( لا يمكن تركه ) أي يجب الاتصاف به أي اثبات ما يجب الاتصاف به ( اثبات الواجب) ( زيد انسان ) .

فهل كل من : الحياة والسمع والبصر في حق الله تعالى مما يمكن الاتصاف به ، أم لا يمكن الاتصاف به ، فان كانت ممكن الاتصاف بها --> دخل العدم والملكة ، وأن الله تعالى متصف بها وجوباً لأن ما أمكن له من الكمال هو الوجوب . وان كانت لا يمكن الاتصاف بها --> ثبت الضد لله تعالى ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

ج. التقسيم الذي يحصر كل الانواع بلا استثناء هو أن يقال : المتقابلان إما أن يكونا :

1. مختلفين : إذ أحدهما سلباً والآخر ايجاباً وهما النقيضان .

أو 2. غير مختلفين : فيكونان ايجابيين (تقابل الأبيض مع الأسود ) كل منها ايجاباً

أو يكونان سلبيين ،

وقد يمكن خلو المحل منهما ويوصف بوصف ثالث ، كالاسود والأبيض ، فيكون الشيئ لا أبيض ولا أسود ( كالأحمر ) ،

أو لا يمكن خلو المحل منهما ( كممكن الوجود وواجب الوجود ) ، فلا يمكن أن يكون الشيئ لا واجب الوجود ولا ممكن الوجود ، ( وكالحدوث والازلية ) ، ( والقيام بالنفس والقيام بالغير : أي قائم بنفسه أم قائم بغيره ) فلا بد من أحدهما للشيئ ، تقابل النقيضين .

فالسؤال : ماذا عن الحياة والموت :

- هل هما سلباً وايجاباً ، فان كانا كذلك فلا بد أن يتصف الله سبحانه بأحدهما ( على تعريف السلب والايجاب لا يمكن خلو المحل عن أحدهما ) ، أم يمكن خلو المحل منهما ويوصف بوصف ثالث : فما هو الوصف الثالث ؟ أم لا يمكن خلو المحل منهما : فلا بد وأن يتصف بأحدهما --> وهو المطلوب فلا بد أن يتصف بالحياة أو بضده وتعالى الله عن ذلك علواً كبيرا .

* كذلك يقال في السمع والصم ، والكلام والبكم ، والبصر والعمى ، فثبت أن الله تعالى متصف بالكلام والسمع والبصر والحياة وغير ذلك من صفات الكمال لله تعالى .

مقالات موقع المنهج · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقالات موقع المنهجص ٦١