* إذا قال : فكيف إذا كانت هذه الصفات المشتركة أو القدر المشترك هو صفة كمال ؟ فهل يتصف به الله والعبد ؟
- يقال له : هذا يدل أنه ليس من خصائص المخلوقين ، كما يدل على أنه ليس من خصائص الخالق ( كالوجود ، والحياة والعلم والقدرة ) فلم يكن في اثبات هذا محذور أصلاً . وانما اختص الله بعدم تعرض تلك الصفات وذاك القدر المشترك لشيئ من النقص أو قلة الكمال ، واختص العبد والمخلوق بامكانية تعرضها لشيئ من النقص .
فاثبات الحياة والعلم والقدرة أو غير ذلك من الصفات فهو من لوازم الوجود ، فكل موجودين لا بد بينهما مثل هذا ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود ، ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة وكان جهم ينكر أن يسمي الله شيئاً .
* إذا قال : الجزء الذي شاركه فيه يكون قد ماثله ( مثلاً صفة السمع ) الذي شاركه فيه من الصفة يكون قد ماثله فيها .
- يقال له : هل الذي شاركه هو سمع مطلق ( مسمى السمع ) أوسمع خاص ( أي السمع المختص بالله سبحانه ) .
* إذا قال : في سمعه الخاص .
- يقال له : إذا قال أحدهم ، سمع الله كسمع المخلوقين بحيث تغيب عن الله أمور لا يسمعها أو قال : سمع المخلوق كسمع الله بحيث لا تغيب عنه الأصوات أبداً فهذه هي المماثلة ، وهذا هو التمثيل الذي نزه الله نفسه .
* إذا قال : بل شاركه في السمع المطلق ( أي في مسمى السمع ) .
- يقال له : هل السمع المطلق هو موجود في الذهن ، أم موجود خارج الذهن ( في الخارج ) فحصلت المشاركة بذلك .
* إذا قال : موجود في الذهن وفي الخارج .
- يقال له : أما في الذهن فهو صحيح . أما سمع مطلق في الخارج فقد جانبت فيه الصواب . ذلك لما يلي : المشاركة في الخارج كاشتراك الشركاء في العقار بحيث يكون لهذا بعضه ولهذا بعضه مشاعاً أو مقسوماً . وإذا اقتسما ذلك : كان لهذا بعضه ، ولهذا بعضه ، فيصبح لكل منهما قسمه الذي يخصه لا يشاركه غيره فيه بعد تقسيمه ، فيقال لك .
أولاً : هل توجد صفة السمع مطلقة في الخارج ، قائمة لوحدها ، بدون ذات معينة خاصة ، أي هل توجد في الخارج صفة مطلقة لا تقوم بذات معينة . يوضح ذلك : اللون ، منه الاسود والأبيض ينتج من انعكاسات الأشعة ، هل يوجد في الخارج لون مطلق ، أو لا بد وأن يكون مميزاً وقائم بذاته .
- مثال آخر : الدَّين ، هل يوجد في الخارج دين مطلق ، ليس يهودياً ولا نصرانياً ولا اسلام ولا بوذية ولا مجوسية ، وكل هذه الأديان مشتركة فيه ، أم هو فقط في الذهن موجود هذا المسمى .
مثال آخر : الحكم ، هل يوجد في الخارج شيئ يسمى حكماً مطلقاً ، هو عدل وظلم وجور .
مثال آخر : الخَبَرْ ، هل يوجد في الخارج خبر مطلق ، يتقاسمه الصدق والكذب أم هو في الذهن فقط .
مثال آخر : الوجود ، هل يوجد في الخارج وجود مطلق ، وهو بنفسه ينقسم الى ممكن الوجود وواجب الوجود .
* إذا قال : لا يوجد .
- يقال له : فكذلك لا يوجد سمع مطلق مشترك في الخارج وانما هو موجود في الذهن فقط .
ثم يقال له : ثانياً ، لو فرضنا وجد ثم تم تقسيمه بين المشتركين ، هل يشتركون هم في الخارج فيما تم تقسيمه بينهما أم يختص كل منهما بقسمه .
مثال ذلك : اللون الأبيض ، هل يشاركه اللون الاسود أم قد افترق عنه بلونه .
جِلْدُك : هل يشاركك غيرك في جِلْدِك .
الخبر الصادق : هل شاركه الكذب .
الوجود الواجب : هل شاركه الممكن .
فالله تبارك وتعالى ، عندما قامت به صفة السمع ، فهو سمع لا يحده شيئ ولم يشاركه ويتقاسمه معه المخلوق ، بل ما قام بالمخلوق فهو سمعه المختص به وما قام بالله سبحانه فهو سمعه المختص به ، وهذا الاختصاص كما تم الاتفاق عليه لا يشاركه فيه أحد فعندما قام بالذات تعين ، فلم يشاركه أحد.
وأما ما هو في الذهن ، فمن الممكن أن يحصل اشتراك فيما ليس من الاختصاص ، والله سبحانه وتعالى قال :﴿ ليس كمثله شيئ ﴾، أي ليس كهو شيئ ، وليس كصفاته شيئ . فعزى الصفات لنفسه ، فحصل الاختصاص فلم يشركه شيئ في ذلك ، فعند التعين لا تحدث المماثلة أبداً لله تعالى ، أي عندما تنسب الصفة لذات معينة تنتفي المشاركة .
ملخص ما سبق :
أ. الاشتراك : ( صفة السمع على سبيل المثال ) : وهو المقاسمة :-
1. يوجد اشتراك في المطلق الذهني .
2. لا يوجد اشتراك بين المخلوق والخالق في خارج الذهن في أي صفة من الصفات .
ولا في أي جزء من الصفة ( خطأ قول الجويني : أن من صفات الله كالسمع : جزء منه مشترك ( في الخارج ) من المخلوق والخالق ، وجزء آخر يختص الله به ).
3. لا يوجد اشتراك بين أي مخلوقين خارج الذهن في أي صفة من صفاتهما ، ولا في أي جزء منهما .
4. لا توجد صفة مطلقة في الخارج أبداً . بل لا توجد إلا قائمة بذات معينة --> حصل الاختصاص والتعيين وزال الاطلاق .
ب. المماثلة :
1. هي المساواة بين الاثنين في شيئ من الأشياء .
2. لا توجد مماثلة ( مساواه ) بين الخالق والمخلوق في أي صفة من الصفات ولا في أي شيئ من الأشياء ( فلا يثبت لشيئ من الموجودات نثل شيئ من صفاته ) الدرء ( 5/84) ﴿ ليس كمثله شيئ ﴾.
3. من الممكن أن توجد مماثلة ( مساواه ) بين المخلوقين في شيئ من صفاتها ، الدرء ( 5/89) مثلاً ، ديناران مطبوعان من قبل البنك المركزي برقم واحد .
ج. المشابهة :
1. الاتفاق من وجه والمخالفة من وجه آخر .
2. توجد مشابهة بين المخلوقين . ( الدرء 5/89) .
3. لا توجد مشابهة في شيئ من خصائص الله تعالى مع شيئ من الموجودات ( الدرء 5/84) ، ولا مشابهة في شيئ من خصائص المخلوقين مع الله تعالى .
4. هل توجد مشابهة بين الله وشيئ من مخلوقاته في غير الخصائص .
ماذا تقصد بالمشابهة في غير الخصائص ، أي اثبات السمع لله ، واثبات السمع للمخلوق مع كون سمع الله ليس كسمع المخلوقين ، وانما يليق بجلاله والعبد يليق بضعفه فمثلاً ، لو تكلم فلان ، فتقول أن الله سمعه وأني سمعته ، ولكن سمع الله ليس كسمعه ، وهذا ثبت بالشرع ونبتعد عن اللفظ ( المشابهة ) خشية اضلال السامع والفتنة .
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الشيخ عدنان عبد القادر
عدد القراء : 1639
تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية