تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المحذور الثالث : الانتصار للأقوال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة .

المحذور الرابع : تنزيل الإمام المتبوع منزلة النبي – صلى الله عليه وسلم - قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله ، من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح ، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له "[9]

3. عدم تقديم الأولويات في طلب العلم :

هناك قاعدة قعّدها أهل العلم تنص على أنه : " من استعجل الشيء قبل أوانه فإنه قد يعاقب بحرمانه " ، وهذه القاعدة نستطيع أن ننزّلها على واقع الكثير من الشباب الذي لم يتدرج في طلب العلم الشرعي ، فترى الكثير منهم يزاحم طلاب العلم في حلقات العلم ، وما هي إلا مدة قصيرة حتى ينقطع بالكلية عن الطلب ، بسبب أنه لم يسلك الطريق القويم ، ولم يتدرج في طلب العلم ، والتدرج سنة من سنن الله في الكون وهو موافق للشرع والعقل ، فترى الكثير منهم يوغل في أمور ومسائل فرضية قد تكون نادرة الوقوع ، ويترك ما هو أهم وأولى .

دخل ابن جريج إلى مجلس عطاء بن السائب في أول طلبه للعلم ، وكان في المجلس أبو عمير ، أحد الأئمة ، فقال عطاء لابن جريج : هل قرأتَ القرآن ؟ قال ابن جريج : لا ، قال : فاذهب فاقرأه ثم اطلب العلم ، فذهب ابن جريج فغاب زمانا حتى قرأ القرآن ، ثم جاء عطاء ، فقال عطاء :هل قرأت الفريضة ؟ قال ابن جريج : لا . قال : فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم ، فطلب الفريضة ، ثم جاءه ، فقال : الآن فاطلب العلم . فلزم ابن جريج عطاء سبع عشرة سنة .

قلت : أرشده هذا الإمام ودله على تقديم الأولويات ، والتدرج في طلب العلم الشرعي .

ويتصل بما سبق ما يلاحظ من قيام بعض الشباب بطلب العلم الشرعي ممّن لم ترسخ قدمه فيه ، ومن صغار السن أحياناً ، مع وجود من هو أكبر منهم سناً وأرسخ علماً ، والتماس العلم عند الأصاغر ، وهذا الأمر قبل أخبر عنه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بوقوعه في آخر الزمان وهو من علامات الساعة الصغرى كما في الحديث الذي أخرجه ابن المبارك في " الزهد " " إن من أشراط الساعة ثلاثاً : إحداهن : أن يُلتمس العلم عن الأصاغر ... " والحديث في صحيح الجامع للألباني – رحمه الله - ، وقد قال ابن عمر – رضي الله عنهما - : " إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كبراكم ، فإذا العلم في صغاركم سفّه الصغير الكبير " ، وهذا الأمر ليس على إطلاقه ، فقد أفتى ودرّس جمع من الصحابة والتابعين في صغرهم بحضرة الأكابر ، فإذا وُجِد الصغير وظهرت رصانته في العلم فليؤخذ منه ، ومن أراد العلم من منابعه الأصلية فيبادر في أخذه من العلماء الكبار وليلزمهم قبل أن يفقدهم ، وليس كل من وعظ موعظة بليغة أو ألقى محاضرة هادفة أصبح مجتهداً من المجتهدين ، والحق أن ينزّل هؤلاء منزلتهم ، والشريعة جاءت بالعدل والتوسط في جميع الأمور .

ووصل الأمر إلى قيام بعض المبتدئين بالعلم أو ممّن لم ترسخ أقدامهم فيه إلى خوض غمار التأليف فيما وصل إليه الأكابر ، وللعلامة الشيخ بكر أبو زيد كلاماً نفيساً عن هؤلاء قال – حفظه الله - : " ومنه شغف المبتدئين بالتأليف ، والبداية مَزِلة ، وهذا عين تشيّخ الصحفيّة ، إذ تعلمه حقيقة " مجذوباً " ، فتراه يخوض غمار التأليف فيما وصل إليه الأكابر ، بعد قطع السنين ، في مُثافَنَةِ الأشياخ ، ومسك الدفاتر ، ثم يأتي هذا " المجذوب الطري " ، ويثافِنُ مؤلفاتهم ... والمطابع تفرز كل يوم لنا قراطيس ورزماً ، إن لم يكن هذا هو الاحتراق في الغرور ، فما أدري له سبباً سواه ، فنعوذ بالله من هذه الفتنة الصماء ، وأنصح نفسي وإخواني في الطلب ، وتحرير المسائل ، وضبط الأصول ، وجرد المطولات ، وكثرة التلقي ، والدأب في التحصيل ، وأن لا يشغل المرء نفسه بالتأليف في مثاني الطلب قبل التأهيل له ، فإن التأليف في هذه المرحلة يقطع سبيل العلم والتعلم ، ويعرض المرء فيه نفسه قبل نضوجها ، والتأليف المقبول لا بد أن يكون بقلم من اتسعت مداركه ، وطال جده وطلبه ، والصنعة بصانعها الحاذق ، ومعلمها البارع " [10]انتهى.

4. أخطاء الشباب في اللباس :

لبس الثياب تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم ، فالواجب منه ما يستر به العورة ويدفع به الحر والبرد .

والمندوب إليه أو المباح ما يحصل به أصل الزينة وإظهار النعمة لا سيما في الجُمع والأعياد ومجامع الناس إذا لم يكن للتكبر ، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي الأحوص عن أبيه قال : " دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – فرآني سيئ الهيئة فقال : ألك شيء ؟ قلت : نعم . مِن كل المال قد أتاني الله تعالى فقال : إذا كان لك مال فَلْيُرَ عليك " [11]

والمكروه ما يكون مظنة للتكبر والخيلاء ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة " [12]

والمحرم ما يقصد به الكبر والخيلاء أو لبس الحرير والذهب أو الإسبال لقوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ( 5787) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار "

وقد وقع المنتسبون إلى الدعوة إلى الله في محاذير شرعية بين إفراط وتفريط ، وجنحوا عن الاعتدال والوسطية بسبب قلة فقههم وشطط فهمهم بدعوى الاتباع والالتزام بتعاليم هذا الدين .

ومن مظاهر هذه المحاذير الشرعية في اللباس ما يلي :

أولا : إسبال الثياب :

لجأت بعض الجماعات الإسلامية إلى تمييع قضايا الدين وتهميش تعاليمه ، فشحذوا الهمم لإنشاء جيل مترف من الشباب بدون تصفية ولا تربية إسلامية ، حتى يكثروا بهم السواد ، ولاستخدامهم لأغراضهم الحزبية ، فأجازوا لهم إسبال الثياب ، هاجرين بذلك سنة نبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم – المحذر من الإسبال في أحاديث عديدة ، بلغت مبلغ التواتر المعنوي ، في الصحاح والسنن والمسانيد ، والتي تفيد النهي الصريح الدالة على التحريم ،فالإسبال محرم مذموم شرعاً في حق الرجال إن كان لغير الخيلاء ، وكبيرة من الكبائر إن كان للخيلاء ، لقوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه " ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " وهذا الحديث يعمّ من أسبل ثيابه تكبراً أو لغير ذلك من الأسباب .

وقد دلت النصوص الشرعية بأن مجرد الإسبال " خيلاء " ، فعن جابر بن سليم – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " وإياك والإسبال فإنه من المخيلة " ، فمجرد الإسبال يستلزم الخيلاء ، حتى لو لم يقصد المسبل ذلك ، فالمسلم ممنوع منه لكونه مظنة للخيلاء ، فمن لم يسبل للخيلاء فعمله وسيلة لذلك ، والوسائل لها حكم الغايات .

أما من جر ثوبه خيلاء صار الإثم و كبيرة من الكبائر لقوله – صلى الله عليه وسلم - : " من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " .

لذا أنصح أخواني الشباب المنتسبين إلى هذه الجماعات تقديم قول الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – على قول سأداهم وكبرائهم ،وأن ينتهوا عما نهى الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – عنه ، وأن يرفعوا ثيابهم إلى الكعبين ، فإنه أنظف وأطهر واتقى لربهم ، وأسأل الله التوفيق والرشاد لجميع المسلمين .

ثانياً : الإفراط في تقصير الثوب :

أفرط بعض الشباب في تقصير الثوب تديناً ، مخالفين بذلك بما عليه المجتمع المسلم الذي يسير وفق السنة ، وهو كون اللباس إلى الكعبين ، وذلك لأنهم حملوا بعض الأحاديث على غير محلها ونزلوها على غير منزلتها ، فلم يفهموها كما فهمها الراسخون في العلم ، فتنطعوا في دين الله ، ظناً منهم أن هذا هو أقرب للسنة ، وقد نص علماء الحنابلة – رحمهم الله – على كراهية تقصير الثوب إلى نصف الساق ، لأن به إشهارا للنفس ، ومظنة لانكشاف العورة في الصلاة ، قال البهوتي – رحمه الله - : " ويكره كون ثيابه فوق نصف ساقه " قال ابن قاسم – رحمه الله – في حاشيته : " ولأن ما فوقه مجبلة لانكشاف العورة غالبا ، وإشهار لنفسه ، ويتأذى الساقان بحر أو برد ، فينبغي كونه من نصفه إلى الكعب ، لبعده عن النجاسة ، والزهو والإعجاب "[13] ا.هـ .

قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله - : " ويكره فوق نصف ساقيه ، نُصّ عليه ، وقال أيضاً : يشهر نفسه " [14]

قلت : من الأسباب التي أدت لإفراط الشباب في تقصير الثوب إلى نصف عضلة الساقين ما يلي :

1 : عدم تفريقهم بين الثوب والإزار :

الثوب ليس كالإزار معنى ولا وصفاً ولا حكماً ، فالثوب هو القميص وهو ما يلبس على الجلد من قطن وكتان ، وله جيب وكمان ، لذا لا يجوز للمحرم أن يحرم بقميص أو ثوب ، بينما يشرع له أن يحرم بإزار ، والإزار هو ما يتزر به ، ويكون ثابتا على النصف الأسفل من البدن من السرة فما دون ، فالروايات التي جاءت بالسنة المطهرة التي تحكي بأن يكون اللباس في حق الرجال إلى عضلة الساقين أو إلى أنصافهما ، وفي بعض الروايات إلى الكعبين ، إنما جاءت كلها بلفظ " الإزار " ، قال العلامة بكر أبو زيد – حفظه الله - : " إن ألفاظ الروايات بجعل الإزار إلى عضلة الساقين أو إلى أنصاف الساقين كلها جاءت بلفظ " الإزار " ولم أقف على شيء منها بلفظ " الثوب " فلنقف بالنص على لفظه ومورده ... وقال أيضاً : الإزار ثابت على النصف الأسفل من البدن من السرة فما دون ، فلا يرتفع عند الركوع والسجود ، أما الثوب فإذا كان طوله وطرفه إلى عضلة الساقين ، أو إلى أنصاف الساقين ، فإنه مع الركوع والسجود تحمله الكتفان والظهر ، فينجر إلى أعلى ، ويكون كشف مؤخرة الفخذ مئنة ، أو مظنة قوية لانكشاف العورة ، ولو انكشفت عورته وهو يصلي لبطلت صلاته "[15] ا.هـ.

2 : عدم مراعاة المعتاد في لباس عرف البلاد مما لا يخالف الشرع :

عدم مراعاة بعض الشباب المعتاد في لباس عرف بلادهم مما لا يخالف الشرع ، يفضي إلى مفسدة عظيمة، وهو العجب الذي يأخذ صفة التدين، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " يحرم لبس الشهرة، وهو ما قصد به الارتفاع ، وإظهار الترفع ، أو إظهار التواضع والزهد ، لكراهة السلف ذلك " ا.هـ.

وقال ابن النجار الحنبلي – رحمه الله - : " ويكره أن يلبس خلاف زي بلده بلا عذر ، وثوب الشهرة ما يشتهر به عند الناس ويشار إليه بالأصابع ، لئلا يكون ذلك سبباً إلى حمله على غيبة فيشاركهم في إثم الغيبة ، ويروى عن أبي هريرة مرفوعاً : " أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نهى عن الشهرتين فقيل : يا رسول الله وما الشهرتان ؟ قال : رقة الثياب وغلظها ، ولينها وخشونتها ، وطولها وقصرها ، ولكن سداداً بين ذلك واقتصاداً "[16]... وكان الحسن يقول : إن قوما جعلوا خشوعهم في لباسهم ، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف ، حتى أن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب المطرف بمطرفه .

وقال في الرعاية : ليس التواضع في اللباس ولبس البياض والنظافة في بدنه وثوبه ، مجلسه ، والتطيب في ثوبه وبدنه ، والتحنك والذؤابة وإرسالها خلفه " [17] ا.هـ

مقالات موقع المنهج · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقالات موقع المنهجص ٣٨