دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 85
معرض الكتاب: حول كتاب "أعمال مهرجان ابن خلدون"
تعليق الأستاذ: عبد القادر زمامة
بين يدي الآن هذا السفر من الأبحاث والدراسات التي كانت محور أعمال المهرجان الدولي الذي نظمه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة في الأسبوع الأول من شهر يناير 1962. حول ابن خلدون مبتكر علم الاجتماع وباعث الفلسفة الاجتماعية في الحضارة والعمران.
وهذه الدراسات المتنوعة حول ابن خلدون كتبها باحثون من الشرق والغرب. وقد تناول الموضوع الواحد كاتب واحد أو عدة كتاب. كل بطريقته الخاصة ومنظاره الخاص الذي ينظر به إلى القضايا المعروضة على بساط الدرس.
فمن النوع الأول:
1) الدكتور عبد العزيز الأهواني. في بحثه الطريف. عن ابن خلدون وتاريخ فني التوشيح والزجل.
2) الدكتور أشيولير. في بحثه عن ابن خلدون المؤرخ.
3) السيدة فتحية سليمان. في بحثها عن الاتجاهات التربوية في مقدمة ابن خلدون.
ومن النوع الثاني:
1) الدكاترة: أبو العلاء عفيفي. وزكي نجيب محمود. وعبد الرحمن بدوي. كل هؤلاء تناولوا ابن خلدون الفيلسوف.
2) أساتذة ودكاترة فيهم: علي وافي وابن عاشور. تناولوا بالبحث ابن خلدون مؤسس الاجتماع.
3) موضوعات الاقتصاد والسياسة والفكر تناولها آخرون بالدراسة والبحث.
سوف لا أحدثك عن جميع القضايا التي آثارها هؤلاء الباحثون .. كما أنني لن أسمح لنفسي بعرض أو ينقد كل ما لفت نظري من آراء ونظريات فيها الصواب والخطأ والطريف والمبتذل ... ولكني سأحدثك حديثا فيه عرض ونقد وتقريظ لموضوعات اعتبرها من اختصاصي ولي فيها رأي ـومن به. قد يعتبره الناس خطأ أو صوابا ...
فمن المعروف عند من يدرس مقدمة ابن خلدون أن ثورتها اللغوية تكاد تكون منقطعة النظير. لا من ناحية الكثرة والتعدد والتنوع فقط .. ولكن من ناحية الدلالة والاستعمال في المعاني والأغراض التي يريدها ابن خلدون ويقصد التعبير عنها .. ومن هنا جاءت المشكلة التي أوقعت كثيرا من الباحثين لا فرق بين الذين يدرسون المقدمة في نصها العربي. وبين من يدرسها في النصوص المترجمة ..
فكلمة (عرب) في المقدمة لها مدلول خاص أراده لها ابن خلدون واستعملها فيه ولكن الباحثين خفى عليهم حينا من الدهر هذا المدلول فطفقوا يتحدثون عن نظرية ابن خلدون في (العرب) وينسبون إليه بالحق والباطل ما لم يخطر له على بال .. !! وقد شقى بهذه الكلمة كما شقيت به.
وكذلك كلمة حضرة. وعمران. واجتماع بشري. وخاصة وعامة وغيرها (وهو شيء كثير) لها مدلول خاص يجب أن نعرفه في لغة ابن خلدون قبل أن ننقد أو نقرظ آراءه ..
وبالإضافة إلى ذلك نجد لابن خلدون توليدا لغويا غريبا فهو يبتكر المجازات ابتكارا. ويحيي ألفاظا كادت تلفظ أنفاسها .. ويرتفع باللفظ العامي والاستعمال العامي في الألفاظ المغربية (الأندلسية إلى درجة الفصاحة والبيان). مما لم يعرف لغيره من الكتاب المغاربة والأندلسيين والشرقيين على السواء.
ولهذه الملاحظة وزنها وقيمتها عند نقدنا لبعض الآراء التي جاءت في بحث الدكتور عبد العزيز عزت وغيره.