تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلة دعوة الحق س6، العدد الرابع

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 1

دراسات إسلامية: ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد

للأستاذ: محمد المبارك

الإسلام في العصر الحديث

مر الإسلام في هذا العصر بمراحل كان أولها ما يمكن أن نعنونه بعنوان (الإسلام في قفص الاتهام) فقد وقف دعاة الإسلام في القرن الماضي يدافعون عن الإسلام على أنه متهم في قفص. فالإسلام كما يقولون ليس منافيا للرقي ولا مانعا من التقدم ولا معارضا للعلم والعقل. فكان الإسلام مجرم يراد أن يدافع عنه وهذا ما يلاحظ في المؤلفات الإسلامية التي ألفها دعاة الإسلام منذ قرن في كتابات محمد عبده وفريد وجدي وأقرانهما. ثم جاء عهد آخر خرج الإسلام فيه من قفص الاتهام ولكنه أصبح يقاس بمقاييس غيره أو يقوم بقيم غير قيمه. فالإسلام صالح لأنه مبني على (الديمقراطية) والإسلام يستحق البقاء والخلود لأنه (متطور) والإسلام حسن لأن فيه كذا وكذا من الأفكار. وهذه الأفكار والمبادئ والقيم والمقاييس إنما استعبرت من مذاهب أخرى فكان الأصل أننا نؤمن بمذاهب معينة هي في خارج إطار الإسلام ثم نحاول بعد ذلك أن نقوم الإسلام بهذه القيم التي نستعيرها من تلك المذاهب على أنها قيم مسلم بها وعلى أنها منبثقة عن مذاهب نؤمن بها. هذا طور ثان مر به الإسلام، ولا يزال الإسلام في هذا العصر ـ اللهم إلا في بعض طلائع الوعي في بعض البلاد الإسلامية ـ في هذا الطور الذي يقاس فيه بمقاييس غيره. والمرحلة الثالثة وهي المرحلة التي بدأت طلائعها في رأيي هي مرحلة الذاتية بالنسبة إلى الإسلام. فللإسلام مقاييسه الخاصة ومعاييره الذاتية فهو ليس صالحا لأنه موافق للديمقراطية أو للاشتراكية أو للرأسمالية أو لأن فيه حرية فردية أو لأن فيه مصلحة الجماعة أو لأن فيه كذا وكذا وكذا إني غير ذلك من المفاهيم المنبثقة عن مذاهب أخرى. إن للإسلام مقاييسه في الخير والشر والحق والباطل ولا نعني أن هذه المقاييس ليست لها جذور عقلية ترتد إليها ولكنها جذور ممتدة من دوحتها وفروع مشتقة من أصل شجرتها. تلك هي المرحلة التي بدأت في العصر الحاضر أو بدأت طلائعها في عدد من المؤلفات القليلة وفي عدد الرؤوس المفكرة في العالم الإسلامي. وهي المرحلة التي نتنبأ بأنها ستكون مرحلة الإسلام في المستقبل القريب. ولابد لنا أن نعود القهقري قليلا لنعرف السبب أو العوامل التي أثرت في تقويم الإسلام بهذه القيم وفي التباس مفاهيمه بمفاهيم غيره لاسيما ونحن في أعقاب عصور ضعفنا فيها ثم التقينا بحضارة كانت في أوج قوتها وعز نشاطها تلك هي الحضارة الأوربية الغربية الحديثة التي انبثقت هي نفسها من الوجهة المادية إلى حد كبير من الحضارة الإسلامية في جانبها المادي.

أوربا التي التقينا بها

إن أوربا التي التقينا بها هي أوربا القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوربا في هذين القرنين كانت في ظروف فكرية واجتماعية خاصة. وقد كانت تتميز بنواح ثلاث متلازمة أولها: الثورة على الدين فقد آل الأمر بالمسيحية في أوربا أن أصبحت غير منسجمة مع التطور الفكري والتفكير العلمي الذي انبثق إثر عصور النهضة فكان في أوربا صراع، صراع بين العلم والدين، بين العقل والدين وكان هذا الصراع شديدا لاهبا. والظاهرة الثانية وهي لا تقل قيمة وخطورة عن الظاهرة الأولى فإن الصناعة الكبرى إثر اختراع الآلة أدت إلى نشوء طبقات جديدة وأدت إلى انفصال رأس المال عن العمل وكان من ذلك أن نشأت طبقة العمال ونشأت الحركة الاشتراكية لإزالة ما كان يلحق تلك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٠٤