تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلة دعوة الحق س6، العدد الثالث

دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 .................... ص 1

دراسات إسلامية: فلسفة هيجل وماركس للتاريخ

لفضيلة الأستاذ: أبو الأعلى المودودي

إن الضلالات الكبيرة التي قد تدفق بها على الإنسانية سيل الحضارة الجديدة، من منابعها الفكرية المهمة تلك الفلسفة للتاريخ التي قد تقدم بها هيجل والتي بنى على مقدماتها كارل ماركس تفسيره المادي للتاريخ فيما بعد.

فلسفة هيجل للتاريخ خلاصتها أن الارتقاء في الحضارة الإنسانية إنما يحصل بظهور الأضداد وتصادمها ثم تمازجها، وأن كل دور من أدوار التاريخ في حد ذاته وحدة وكل ـ أو بلغة الاستعارة ـ وجود جسد حي، وأن مختلف نظريات الإنسان من سياسية واقتصادية ومدنية وخلقية وعلمية وعقلية ودينية تكون على مرتبة خاصة ويكون بينها التناسب والتلاؤم والتساند في هذا الدول، كأنها وجوه مختلفة لهذا الوجود الحي أو الوحدة العصرية تجري فيها روح هذا الدور كله.

وعندما ينتهي دور كبير من ترقية روحه إلى أرفع ما يستطيع من معارج الكمال، وعندما تنتهي المبادئ والنظريات والأفكار الإنسانية التي تقوم بتسيير هذا الدور إلى الارتقاء إلى آخر حد من حدود طاقتها، يظهر من حضن هذا الدور نفسه بعد أن يترعرع فيه ويتقوى عدوه طائفة أخرى من الأفكار والمبول والنظريات والمبادئ لا تتولد إلا لأن هذا الدور المتداعي يقتضيها بنفسه، ثم يشرع في محاربة الأفكار القديمة.

وتبقى الحرب قائمة بين القديم والجديد إلى مدة من الزمان. وأخيرا يحصل الامتزاج بينهما بعد الأخذ والرد وتخرج إلى حيز الوجود حضارة عصرية جديدة بامتزاج عناصر قديمة وأخرى جديدة. وهكذا يبدأ دور جديد من أدوار التاريخ.

ثم عندما ترتقي روح هذا الدور الجديد إلى أعلى مدارجها، يظهر من حضنها أيضا عدوها وتقوم بينهما الحرب حتى يتولد مزيج جديد بامتزاج عناصر من هذا وعناصر من ذاك بعد الأخذ والرد يكون روحا لدور جديد من الحضارة والمدنية.

وهذه العملية للارتقاء هي التي يعبر عنها هيجل حسب اصطلاحه بالعملية الجدلية، فكان عصر التاريخ أو ميدان الدهر قائمة فيه ـ في نظره ـ مجادلة منطقية متسلسلة، تقوم أولا الدعوى ثم يظهر في مقابلها جوابها، وبعد أن يطول بينهما الصراع فإن العقل الكلي أو الروح الكلية تعقد بينهما الصلح أي يجعل منهما مزيجا بقبول شيء من هذا وشيء من ذاك، وهذا المزيج عندما يتقدم قليلا بتحول إلى دعوى، ثم يواجه هذه الدعوى جوابها، ثم ينعقد بينهما الصلح بعد الحرب بينهما ويأتي إلى حيز الوجود مزيج جديد، وهلم جرا.

فالعملية الجدلية بموجب نظرية هيجل هذه عملية اجتماعية شاملة، ومعنى هذا أن الحضارة الإنسانية بكل شعبها وفروعها في كل عصر من عصور التاريخ جسد حي متوحد، أو وجود متكامل، وليس الأفراد والطوائف إلا أعضاء أو أجزاء لهذا الجسد المتوحد، فعلى هذا لا يمكن لفرد من الأفراد ولا لطائفة من الطوائف أن تتحرر من الروح الكلية لمدينة عصرها وحضارته، فكل إنسان مهما كان كبيرا ومن ألمع الشخصيات التاريخية وأشهرها ليس في هذه اللعبة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٢٢