فالدكتور عزت يعرض آراء ابن خلدون في قيام الحضارة البشرية ويناقشها على ضوء المذاهب التي جاءت في الموضوع. ولكنه يخلط بين فهم ابن خلدون لمدلول حضارة وبين فهم غيره لها ويقول بالحرف:
(يحدثنا ابن خلدون عن الحضارة وبفهمها بأنها التقدم والتفنن في الرقي والترف وهو فهم غير علمي اليوم).
ثم يتابع نقده للنتائج التي بناها ابن خلدون على فهمه (الخاص) للحضارة وأسباب قيامها ثم اضمحلالها في المجتمع.
فالدكتور الباحث يريد من ابن خلدون أن يفهم مدلول الكلمات كما يفهمها أهل القرن العشرين .. !! وهذا شيء مخالف للمنطق والواقع.
فهل يفهم رجال العصور الوسطى ومن قبلهم من مدلول كلمة. قلم. وكرسي. ومدرسة. ونظام. وسياسة. وعلم. ما نفهمه نحن في القرن العشرين .. ؟
إنهم كانوا ولاشك يفهمون منها مدلولا يناسب مشاهدتهم واصطلاحاتهم وواقعهم الفكري والحضاري.
وإذا كنا نفهم الحضارة اليوم إنها (باختصار) ما نعيش به من وسائل مادية في المأكل والمكن والحرب والسلم والبناء والتنقل .. ومعنوية في النظام والحكم .. فإنه لا يلزم أن يكون ابن خلدون يفهمها نفس الفم وينظر إليها نفس النظرة ويحكم عليها نفس الحكم.
والذي يجب هو أن نفهم من مدلول الكلمة ما يفهمه ابن خلدون وتسايره في اصطلاحه ثم ننظر لنتائج التي توصل إليها أهي صحيحة في حد ذاتها أو منحرفة عن الصواب؟
ولا يعنينا في شيء أن يخطئ أو يصيب. ولكن يعنينا أن نكون على صواب في حكمنا عليه.
ولعل هذا الملاحظة هي التي حدت بالمهرجان إلى اقتراح البحث في لغة ابن خلدون من جديد على أساس علمي مقبول.
كما أن الباحث العربي الأستاذ ساطع الحصري كان موفقا كل التوفيق حين (صحح) الماد من كلمة (عرب) في مقدمة ابن خلدون .. وقد كنا قرأنا له هذا التصحيح في الدراسة التي كان قد كتبها عن المقدمة منذ سنوات. وإعادة في بحثه الذي قدمه للمهرجان .. وهذا التصحيح يجعل المراد من كلمة (عرب) في اصطلاح ابن خلدون (البدو) سواء كانوا من الجنس العربي أو من غيره .. فإذا وجدنا في المقدمة هذا العنوان: (فصل في أن العرب إذا تغلبوا على اوكان أسرع إليها الخراب) يجب أن نحمل العرب في كلام ابن خلدون على البدو .. لأنهم كانوا في تاريخ البشرية الطويل يدكون تحت أقدامهم معالم المدنيات والحضارات في بابل وآشور وصيدا وصور وقرطاجنة ورومة وبغداد وغيرها .. !!
ولننتقل إلى ملاحظة أخرى تلفت النظر في البحث الذي كتبه الدكتور عمر فروخ عن موقف ابن خلدون من الدين ومن القضايا الدينية.
لقد اعتاد ابن خلدون أن يختم فصوله بهذه الفواصل:
- والله أعلم.
- وفوق كل ذي علم علم.
-سبحان الحكيم العليم.
وقد أراد الدكتور أن يتخذ من هذه الفواصل دليلا على:
1) مراعاة الفاصلة للبحث الذي جاء في الفصل قبلها.
2) مسايرة ابن خلدون لأهل عصره في ختمهم لأبحاثهم بمثل تلك الفواصل.
وقد انتقد الدكتور رأي الحصري في أن استعمال مثل هذه الفواصل يدل على عمق تدين ابن خلدون وتعلقه بخالقه جلت قدرته في جميع الأحوال.
والمتتبع لهذه الفواصل في المقدمة لا يقر الدكتور فروخ على رأيه فالفواصل من جهة ليست كلها مناسبة بصيغتها لما تقدمها من فصول وهي من جهة أخرى مظهر من مظاهر تدين ابن خلدون وعمق إيمانه بالله واستمداد عونه وتوفيقه. وليست عبارات محشوة لا مدلول لها .. أو هي لمجرد محاكاة ما اصطلح عليه أهل العصر .. من علماء وباحثين.
على أن الدكتور فيما عدا هذه الملاحظة أتانا ببحث طريف عن فهم ابن خلدون للدين وموقفه من نشأة الأديان وتاريخها وإطلاعه الواسع على الثقافة الدينية عند اليهود والنصارى والمسلمين.