تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 1925 قام خلاف كبير بين الحكومة السوفياتية وأفغانستان حول منطقة تقع على نهر الأوكسوس، ولم تكن هذه منطقة تقع على نهر الأوكسوس، ولم تكن هذه القضية ذات أهمية؛ فتنازلت الحكومة السوفياتية لأفغانستان ساحبة فواتها من هذه المنطقة. اعتبرت حكومة أمان الله ذلك انتصارا لها، والواقع أن اتحاد السوفياتي حقق بدبلوماسيته التي تبعها مع أمان الله تركيزا لنفوذه بأفغانستان؛ وخاصة ضد التوازن البريطاني عن طريق استعمال كثير من المساعدات وأنواع التعاون التي ظهرت بين البلدين، ومن جهة ثانية استغل الواقع الذي كانت عليه الحدود في الشمال سيما وأن أقلية لا تتكلم التركية كانت تحت النفوذ السوفياتي على شكل حماية، ومن ناحية أخرى، لقيت دعايتهم بعض الصعوبات إلى درجة بعيدة في العشرينات الأولى من هذا القرن لدى التجار الأفغان والهنود الذين يقدمون على أسواق بخارى وطشقند، فتعرضوا إلى مضايقات البولشفيك، وتنوقلت أخبار تلك المعاملة ولهذا لم يحقق السوفيات ما ارتجوه من دعابتهم. بل فلبوا في الأخير أن يقدموا تعويضات عما فقده التجار الأفغان.

وجدت الدعاية للمبادئ الشيوعية بعض الصداء لدى قبائل التركمان وكذا التاجيك والأوزبيك في الحدود الأفغانية، إلا أن الروس من جهة أخرى ستطاعوا بإنشائهم للسكك الحديدية ومدهم للأسلاك الكهربائية أن يجدوا تأثيرا خاصا لدى الأفغان. ولقد قوى التبادل التجاري بين البلدين امتداد السكك الحديدية إلى كورش ترميذ في الحدود الأفغانية، وخدم في نفس الوقت الأغراض الاستراتيجية السوفياتية.

كان هدف الدعاية السوفياتية يقوم على تشجيع نمو الحكومات الذاتية أو الحركات الانفصالية الممكن استخدامها ضد الحكومة الأفغانية عند الاحتجاج، وفي نفس الوقت كان الروس يهدفون من توسعهم الاقتصادي في أفغانستان وخصوصا الأقاليم الشمالية أن يجعلوها معتمدة على روسيا باعتبارها مركزا تجاريا، وهذه الحالة شبيهة بشمال إيران حيث نلاحظ في نفس الحالتين أن سلاسل الجبال تفصل عاصمة البلاد عن مناطقها الشمالية فتصبحان سلاحا في يد الروس.

العلاقات الأفغانية البريطانية

لم يكن أمان الله قلقا على موقفه، ثم إنه لم يعتبر ذلك نذيرا كافيا لاتخاذ الإجراءات المضادة أو التحالف مع بريطانيا، فهو بالعكس اتجه اهتمامه إلى الحدود القلقة في الجنوب، والتي تسكنها قبائل الباتان. ونشير دائما إلى أن هذه المنطقة القبلية كانت مقسمة تقسيما اصطناعيا يجتازها خط دبورانت، حيث يقع بموجبه الفصل بين الحدود الهندية الأفغانية. وهناك إشارة مميزة أخرى لمنطقة قبائل الباتان أنها لا تخضع لحكومة الهند، بل يقع الإشراف عليها من بعض المراكز العسكرية البريطانية المتفرقة، وبواسطة الموظفين السياسيين، فكانت مهمة دقيقة بالفعل، ومع ذلك فإن الحكام بكابول كانوا يعارضون أي مظهر للإشراف البريطاني على هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الحكام كانوا يتمسكون باستمرار نفوذهم وسلطتهم على قبائل الباتان، ولهذه السياسة دواعي دفاعية وهجومية، ذلك أن الحكام الأفغانيين اتخذوا من هذه القبائل سلاحا موجها ضد بريطانيا إن كان ذلك ضروريا، ومن جهة ثانية فإن اختراق رجال هذه القبائل للحدود الأفغانية كان مصدر إزعاج إلى الحكومة الأفغانية نفسها، وأمام هذه الحالة اعتبر الحكام الأفغانيون من الحيوية بمكان أن يدعموا صداقتهم مع زعماء هذه القبائل.

وبما أن أمان الله عرف بعدائه لبريطانيا فقد كان يجرب دائما استخدام القبائل المذكورة الأمر الذي نتج عنه أن طاقة بريطانيا العسكرية كانت كلها مركزة في هذه المنطقة المضطربة.

إصلاحات واضطرابات

في الوقت الذي حاول أمان الله إيجاد توازن بين النفوذين البريطاني والروسي؛ فقد كان يكد في إعداد بلاده للتحضير، وطمح أن يقتدي بمصطفى كمال زعيم تركيا. ففي 9 ابريل 1923 أعلن القانون الأساسي. وأتبعه بإصلاحات تهدف إلى جعل البلاد عصرية في جميع المرافق، ثم اتجه بعد ذلك إلى الفنيين والمستشارين من جميع الجنسيات للاستعانة بهم، فاقتدى بالشاه رضا بإيران، فجلب الألمان باعتبارهم يمثلون «القوة الثالثة» ولعبوا دورا بارزا سواء قبل الحرب أو بعدها، من ذلك جلب الأساتذة والمدرسين العسكريين والفنيين وموظفي البنوك والأطباء والعلماء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٥٥