موسكو، تلتها بعثة روسية إلى كابول. وحيث أن الوطنية الهندية المناوئة لبريطانيا كانت تجد عطفا لدى الأفغانيين، فقد أمكن لبعض الزعماء الهنود مثل مهاندرايرتاب، وبركة الله الذين كانت لهم جمعية تحظى بعطف السوفيات في طشقند، هؤلاء الزعماء جعلوا من أفغانستان قاعدة لتحدي الاستعمار البريطاني، خصوصا بعد أن رفض أمان الله طلب البريطانيين في طردهم من بلاده، ثم استدعى أمان الله القائد التركي جمال باشا لينظم الجيش الأفغاني؛ وكان قدوم جمال إلى كابول مما شجع بريطانيا على عدائها لتركيا، وذلك حتى لا تخفف من بنود معاهدة سيفرس التي عقدت مع تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
وفي 28 فبراير 1921 عقدت كل من أفغانستان وروسيا معاهدة الصداقة، ونصت على تبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وفتح القنصليات بكل من حيرات، وميمينا ومزار الشريف وكاندهار وجانزى، ثم منحة سنوية تقدمها روسيا تقدر بمليون روبل ذهبي، وتقديم الذخيرة إلى أفغانستان، وتأسيس الخط التلغرافي ما بين كوش، وهيرات، وكاندهار، وكابول. كانت هذه المعاهدة بمثابة صدمة لبريطانيا، خصوصا بعد أن أكدت على استقلال أفغانستان، فأضحت البعثات الأفغانية ترسل إلى العواصم الأوربية لطلب الاعتراف بها، ثم جلب الفتيين الأجانب وتأسيس علاقات تجارية. وفي أثناء زيارة البعثة الأفغانية إلى لندن أصرت على أن تفاوض وزارة الشؤون الخارجية البريطانية بدلا من مكتب الهند. ولقي المبعوثون الأفغانيون معاملة فظة خصوصا من كاتب الدولة في الشؤون الخارجية البريطانية اللورد كيرزون. لم يلبث أمان الله أن أعاد النظر في علاقته مع روسيا البلشفية؛ حيث أذعنت بعض الدول في آسيا الوسطى لزحفها، إذ ذاك بدأ يميل إلى بريطانيا، فاستقبل بعثة بريطانية في 22 نوفمبر 1921 وعقد معها معاهدة جديدة أكدت فيها بريطانيا للمرة الثانية على استقلال أفغانستان التام، واعترفت بالحدود القائمة، وتم بينهما التبادل الدبلوماسي والقنصلي، ثم منحت أفغانستان تسهيلات جمركية بالهند، وتم التعاون بين البلدين لتحقيق السلم في المناطق القبلية القريبة من الحدود. وألحت بريطانيا على أمان الله، فوافق على عدم السماح للسوفيات بإنشاء قنصليات في كل من جانزي وكاندهار الواقعتين على الحدود الهندية، وتقرر توقيع المعاهدة باسم الحكومة البريطانية لا باسم حكومة الهند مع موافقة بريطانيا على أن تتوجه إليه باسم صاحب الجلالة.
العلاقات السوفياتية الأفغانية
كان ميل أمان الله إلى روسيا أكثر من ميله إلى بريطانيا، ففي 22 يونيو 1921 عقد معاهدة الصداقة مع تركيا وإيران. أما بالنسبة إلى تركيا فقد فتح الباب على مصراعيه للضباط الأتراك والمعلمين والخبراء. ويعاد إلى الذهان بان تركيا في هذا الوقت كانت تتعاون مع السوفيات، ولم تكن علاقتها حسنة مع بريطانيا، وهذا ما جعل أمان الله يستأنف علاقته مع السوفيات، فسمح لهم بتأسيس فرع الشركة التجارية التابعة للحكومة (فينيشتورج) ثم منحهم امتياز لإنشاء فرع لمصرف «بنك» الدولة السوفياتي، وقبول خدمات الخبراء في عدى مشاريع: كتأسيس القوة الجوية الأفغانية، وإرسال الملاحين الأفغان للتدريب للحياد وعدم الاعتداء، وأعقبته في سنة 1927 اتفاقية جوية تربط بين كابول وطشقند، ثم افتتحت بعد ذلك مفاوضات لاتفاقيات التجارية.
الواقع أن أمان الله لم يقدم جسمه وروحه كلية إلى الروس، ففي بعض المناسبات كانت سياستهما تنحرف بعض الشيء، فقد أراد أن يجعل من نفسه المدافع عن الإسلام، وخصوصا عندما وقعت كل من بخارى وكيفا في قبضة السوفيات. لقد خشي أمير بخارى أن يلقى حتفه على يد البولشفيك، فالتجأ إلى أفغانستان، وأحسن وفادته أمان الله، بل ذهب أبعد من ذلك فقام بنشاط لصالح الثورة بالسماشية التي زعزعت النفوذ الروسي في آسيا الوسطى سنة 1922 وأراد أن يخلق تحالفا في وسط آسيا تحت زعامته. وللوصل إلى هذه النتيجة؛ ركز قواته على امتداد الحدود الشمالية، وأسس اتصالات بينه وبين زعيم الطوراني إينيفير باشا، وما كان من السوفيات إلا أن طالبوه بإعلان الحياد، وسحب الفرق الأفغانية من مناطق الحدود، واستجاب أمان الله لذلك، وتوفي أخيرا العاهل الأفغاني ..
ووضعت وفاة أمان الله حدا لتلك التصميمات في موضوع وسط آسيا، وبقيت ثورة الباسماشي مستمرة إلى سنة 1931.