هذه بعض من جملة الملابسات التي تثيرها العلمانية أو اللاعلمانية في المجال الدولي الداخلي أي بين العناصر المختلفة والمتساكنة داخل إطار الدولة الواحدة، أما ما يحدثه ذلك على صعيد العلاقات الخارجية أي بين الدول المتعايشة على سطح الكوكب في مضمار العلاقات بينها من النواحي المختلفة، فإن ما يردده العلمانيون بهذا الصدد هو أن الانتساب الديني لأية دولة ربما يقودها في بعض الحالات إلى الحد من طواعيتها في الاتصال بالشعوب الأجنبية، ويجمد من مرونتها في مجال التفتح على العالم، والارتباط بقضاياه ومشاكله طبقا لما يقتضيه واقع الاتصالات الإنسانية الحاضرة وتتطلبه مقتضيات التفاعل العالمي المعاصر، وبغض النظر عن الوهن الذي تتسم به هذه النظرية من الناحية الفكرية والمبدئية، فإن في وسع المرء أن يلاحظ كيف أنه لا يجوز اتخاذ مثل هذا الاعتراض قاعدة ثابتة والاستدلال بها في مختلف مظاهر العلاقات العالمية الواقعة، ان الجمود الذي تصاب به دولة ما في حياتها العالمية والدولية، ياتي -في الواقع- كنتيجة طبيعية لجمود عقلية هذه الدولة، أو عدم استعدادها العام المتعاطي مع الآخرين، والإسهام في حياة العالم اسهاما ذا هدف وفاعلية، ومن التحمل والانتحال حقا أن تنسب مظاهر جمود من هذا القبيل إلى طبيعة الانتماء الديني للدولة، وارتباطها بعقائدية دينية معينة، اللهم لا أن تكون هذه العقائدية في جوهرها ذات روح جامدة مجمدة، وباعثة في إيحاءاتها على العزلة والخمود والتواكل، وحينئذ يكون من المعقول أن توجه المؤاخذات ضد هذه العقائدية بصورة خاصة، وليس ضد مبدأ الانتماء الديني بوجه عام.
وبعد، فإن السؤال الذي عرضنا له في غضون هذا الموضوع هو: هل هناك من ضرورات ملحة تقتضي إيثارا مبدأ العلمانية بالنسبة لأية دولة عصرية تقدمية، وتجعل هذا المبدأ عاملا حتميا من عوامل تحقيق الديموقراطية والحرية والتكافل؟
ولا نستبيح الزعم بأن ما بسطناه في معرض الجواب عن هذا السؤال يقوم بالكفاية في إلقاء الأضواء على هذا الموضوع من أساسه، وإقامة الحجة، وافرة البنية، متسعة المدلول، حول مختلف المشاكل التي تثيرها قضايا كبيرة من هذا القبيل، فالموضوع -كما يلاحظ ذلك- هو على أقصى ما يكون سعة وتبحرا، لأنه يقتضي- من أجل التوفية له -القيام باستعراض مختلف المسائل والأحكام الناشئة عن حالة الانتماء الديني للدولة، واستقصاء عناصر التوفيق بين حالة الانتماء هذه، وبين الجوانب الكثيرة التي تشكل علاقة الدولة بسكانها الاصلاء والطارئين وكل ذلك على ضوء روح الدين من جهة، والمعطيات السياسية والقانونية والنفسانية والاجتماعية للواقع العالمي القائم من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن المجال الآن لا يفي بإيراد مختلف النقط العديدة المتعلقة بهذه القضايا إلا أن أمامنا -مع ذلك- معطيات أساسية استعرضنا ملامح منها في خلال هذا الموضوع ويمكننا على أساسها أن نقدر قضية العلمانية واللاعلمانية، لا على أنها قضية فلسفية تجريدية، بل على العكس من ذلك باعتبارها قضية حياتية، تتصل بواقع اتجاه الدولة، وجوانب حياة سكانها، ومن ثم فإن السؤال ينصب حول هذه الجوانب الحياتية، وصلة العلمانية أو اللاعلمانية بها وقد رأينا كيف توجه الاعتراضات بهذا الشأن، متركزة حول ما يمكن أن يكون هناك من تناقض بين انتساب الدولة الديني من جهة، وبين واجباتها من جهة أخرى نحو مختلف الكتل والطوائف المتباينة دينيا، والمنتمية إليها على حالة أو أخرى ولا جرم أن مشاكل الطوائف والأقليات في العالم الحاضر، تعود بأغلبيتها إلى أسباب سياسية واقتصادية وعنصرية ودينية أيضا، ولكننا عندما نستعرض -صور هذه المشاكل على الصعيد العالمي العام، فإننا قد لا نجد للعلمانية أو عدمها تأثير مهم في إثارة مختلف هذه المشاكل وتطويرها، والوصول بها إلى ما هو عليه، على أن دينية الدولة، إذا كانت تعني في جوهرها التنكر لحقوق الطوائف والأقليات الأخرى، فقد يكون هذا هو الشأن، بالنسبة إلى عقائديات دينية أخرى غير الدين الإسلامي الذي يعرف عنه الكثير في مضمار التسامح والتساوي وضمان الكرامة الإنسانية في إطارها الفردي والجماعي فمن المؤكد أن اللاعلمانية ضمن النطاق العقائدي والسلوكي الإسلامي يمكن أن تشكل في العصر الحاضر أساسا لطريقة ليبرالية صحيحة في مضمار العلاقات الطائفية الدينية والعنصرية داخل المجتمع الواحد، كما أنه من المؤكد أن تساعد هذه العقائدية على إبراز صور إيجابية معبرة عن صور التعايش الإنساني الخير، القائم بين الدول والكتل الدولية، سواء منها المتجانسة في الأنظمة والمناهج، أو المتباينة في ذلك على درجات تختلف من حيث النسبة أو النوع، وهذه الإمكانيات الموجودة في نطاق العقائدية الإسلامية من شأنها أن ترفع عن الفكرة العلمانية مختلف الاعتبارات النفسانية والعلمانية التي تجعل منها في نظر البعض