أعماق الزمان والإنسان وإذا ما توافرت لدينا دواعي التسليم بهذه الظواهر الأساسية فإنه سيكون في امكاننا أن نشدد على جانب الحقيقة الآتية: وهي أن اتباع سبيل العلمانية لا يمكن مطلقا أن يتفق مع مقتضيات النهج الديموقراطي في مجال تطور المجتمعات العربية الحديثة، وذلك لسبب أساسي وبسيط: وهو أن التفكير السائد في هذه المجتمعات لا يستجيب -في أعماقه لمبدأ العلمانية الأوربية، ولا يستقيم مع هذا المبدأ إلا بصورة لا تكاد تذكر، أي باستثناء بعض الأوساط المعدودة التي لا يتوافر لها قدر كبير من التجاوب مع أغلبية التيارات الفكرية الكبيرة التي تستأثر بالذهن العربي العام، وكم يحاج العلمانيون العرب المحدثون-في خلال هذا الموضوع، بقضية الأقليات والطوائف غير الإسلامية، التي تشكل أجزاء من الكيان العربي، وتلتحم بالمجتمعات العربية القائمة سواء على وجه أو آخر، وهم يريون -في معرض حجاجهم هذا -أن الديموقراطية الحق، لا يمكن أن تجد لها مجالا صحيحا للتطبيق إلا بحماية وجود هذه الأقليات من الناحية الفكرية والعقائدية والثقافية، وضمان مصيرها الاتجاهي الخاص، وذلك فقط عن طريق العلمانية، وما تقتضيه من الدولة من التزام للحياد الديني المطلق، أي تأمين قدر متساو من التجاوب والانسجام بين الدولة من جهة والطوائف والجماعات المختلفة التي تنتسب إليها وتقوم على ولائها من جهة أخرى، لكن السؤال الذي لا بد أن يفرض نفسه على هامش هذا الموضوع هو: هل يقوم الانتماء الديني للدولة، كعائق يحول بينها وبين الاستجابة لرابطة الولاء التي تصلها بجميع الأفراد والجماعات المنتسبين إليها؟ وإذا جاز ذلك من حيث الواقع، أي من خلال ما يبدو أحيانا من مظاهر العلاقة السيئة بين بعض الدول والطوائف المتساكنة في حظيرتها، إذا جاز ذلك من حيث الواقع من هذا النوع فهل يجوز كذلك حتى من الناحية العقلية والمبدئية؟ إن الانتماء الديني من حيث المبدأ لا يقتضي من الدولة تحيزا طائفيا أو عنصريا، هذا مبدأ ثابت وصحيح على مختلف المستويات، وصحته تستلزم بالطبع صحة الإمكانيات المبدئية والعقلية التي تقوم عليها حالة التوفيق بين ديموقراطية الدولة من جهة وانتسابها الديني من جهة أخرى، أما مظاهر التحيز التي تستبيحها بعض الدول ضد طوائف أو جماعات من أبنائها، فالأمر في ذلك يعود إلى نوع من الشذوذ يتميز به سلوك هذه الدول لسبب أو لآخر، ولا يحصل هذا الشذوذ دائما من جانب الطوائف ذات الأغلبية العنصرية أو العقائدية، بل ان هناك حالات معينة يقع الاستبداد فيها من جانب الأقليات الدينية إذا ما توافرت لها حالة السيطرة على الأكثرية الساحقة من السكان المنتسبين إلى ديانة أخرى، ومن بين الأمثلة على ذلك، ما يقع من حين لآخر بين المسيحيين والبوذيين في بعض أقطار الشرق الأقصى حيث يشتد الصراع بين الأقلية والأكثرية هناك، وتتشعب جوانبه إلى مدى بعيد، وهذا يدل على أن الأمر في إنجاح الديموقراطية داخل بلد من البلدان لا يقتضي بالضرورة أن تتخلى الدولة عن انتمائها الديني لفائدة جماعة أو أخرى من الجماعات المتساكنة فيها، اذ أن ذلك -ولو أنه يقع على وجه من الوجوه، فإنه لا يساعد دائما على تحقيق الديموقراطية إذا كانت الفكرة الديموقراطية باهتة أو منعدمة، وبواعثها المادية والإنسانية تكاد تكون غير متوافرة، إنما العبرة في كل ذلك هو أن يكون الانتماء الديني للدولة وهو منبثق عن واقع تفكير الأغلبية، أن يكون هذا الانتماء قائما على قاعدة ليبرالية متسامحة، والا يؤدي في أية حالة إلى اضطهاد الأقليات الدينية الأخرى، وانكار حقوقها القائمة على أي مستوى صحيح ومعقول، وهذه -كما أسلفنا- النقطة الحساسة والأكثر أهمية في جميع القضايا من هذا القبيل ذلك أنه من المتواتر جدا أن نجد دولا غير منتمية من الناحية الدينية، وتعتبر علمانية نظريا وواقعيا أيضا، وبالرغم عن ذلك، فإن الأقليات في حظيرتها تتعرض أحيانا لحالات التمييز أو حتى الاضطهاد القائم على أساس الفروق الدينية أو العنصرية أو غير ذلك، كما يمكننا أن نجد دولا أخرى ذات انتساب ديني علني يقره دستورها الخاص، ومع ذلك فإنه تتوافر للأقليات الدينية في حظيرتها ظروف من الاستقرار والمساواة الفعالة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو ما إلى ذلك. إن ما يمكن استخلاصه من مجموع هذه الملاحظات هو أن قضية الديموقراطية لا يجب أن ترتبط حتميا، -كما يبدو للبعض- بتوافر الاتجاه العلماني عند هذه الدولة أو تلك، فالصلة بينهما ليست ضرورية وجوهرية في جميع الحالات، بل ان اشتراط العلمانية من أجل تحقيق بعض مظاهر الديموقراطية- ولو كانت هذه العلمانية لا تتجاوب مع شعور الأغلبية وتفكيرها- ان هذا الاشتراط من شأنه أن يجر إلى جملة من التناقضات البارزة تتمثل في نبذ مفهوم الأكثرية والأقلية، واغفال الاعتبارات المنطقية التي يقوم عليها هذا المفهوم، سواء من الناحية النظرية أو العملية،
مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ٥٢٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي