الإصلاحيين ويصيبهم بنصيب متفاوت من الضرر والسوء، هذا إلى بعض الحروب الصغيرة، كالتي حدثت في الحجاز على إثر الدعوة الوهابية، ولكنها لم تتجاوز ضيقا ومحدودا جدا.
2 - إن الصراع الجزئي المحدود الذي سببته الحركات الإصلاحية الدينية بالعالم العربي، لم يساعد على النيل من مكانة الدين في أعين الجمهور، والكثير جدا من أوساط النخبة المفكرة، مثل ما حدث بالنسبة إلى الأوربيين، وعلاقتهم بالدين المسيحي على وجه العموم، ولعل من الأسباب الداعية إلى ذلك عدم وجود سلطة معينة تنحصر في نطاقها -كما هو الشأن بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية- جميع منافذ الدين ووسائله ونتائجه، وتتركز بين القوامين عليها مختلف سبل الجزاء والغفران وما هو من قبيل ذلك الأمر الذي ساعد -بحق- على ترك المجال متفتحا بصورة سهلة أمام انتشار الدعوات التعديلية والإصلاحية واعان -بالتالي- على الاعتقاد بأنه ليس من اللازم تحقيق الإصلاح عن طريق العلمانية، وما إليها، بل أن هذا الإصلاح ممكن جدا، عن طريق إذابة الجمود الذي ران على الفكرة الدينية، حقبة طويلة من الدهر، وتخطى الحواجز التي ما فتئت تحول دون ذلك سواء على نحو أو آخر، وهكذا فقد أدت التطورات الفكرية الدينية التي رجت العالم العربي إلى غير السبيل الذي أدت إليه في دنيا الغرب اذ أن الأمر قد افضى في النهاية ببعض الشعوب الأوربية إلى اعتناق العلمانية بما تقتضيه من فصل شامل للدين عن الدولة، ثم ما ساعد عليه كل ذلك من تعبيد السبيل أمام قيام الدول الملحدة التي لا تكتفي بمجرد التزام الحياد أمام الدين، بل تتعدى ذلك إلى درجة العمل على مناواة الفكرة الدينية عن طريق الدعاية المنظلة، والتعليم الموجه، ولو بصورة غير مباشرة، وإذا كانت الأمور قد تمت بهذه الصورة في بعض أقطار الغرب، فإن ما آل إليه الحال في العالم العربي يناقض ذلك مناقضة ملحوظة، فقد تركزت الدعوات الإصلاحية المتعاقبة في ربوعه حول مبدأ الرجوع إلى طريق السلف الصالح في فهم الدين وتصوره وتطبيقه، وتلك فكرة -وإن كانت تختلف المدارك في استيعابها وتقييمها على صورة من الصور فإنها قد أدت إلى نوع من التطور والانبعاث الديني، شمل كثيرا من الآفاق العربية واعان على تلقيح النهضة العربية الحديثة بعناصر قوية وذات فاعلية، وليس بإمكان المرء حقا أن يدعي النهضة العربية الحديثة تكتسي صبغة معينة تجعل منها نهضة إسلامية حقيقية لها كامل الاتصال بجميع خيوط الدعوات الإصلاحية الدينية التي عرفها العالم العربي سواء خلال العصر الوسيط أو في بداية العهود الحديثة، كما أنه ليس للمرء أن يدعي أيضا أن العلمانية لا توجد مؤثراتها على أية نسبة من النسب في طبيعة الاتجاهات العامة التي تسود كثيرا من البلدان العربية، سواء على صورة أو أخرى، بيد أنه يجب الاعتراف -من جهة أخرى- أن الفكرة العلمانية بكامل تسلسلها المنطقي، والاستنتاجات التي تقوم عليها -على اعتبار ما لهذه الاستنتاجات من حيثيات فلسفية وإيديولوجية وتطبيقية- ان الفكرة العلمانية قياسا على هذه الاعتبارات كلها، لا توجد لها جذور عميقة في مجال الفكر العربي الحديث، ولا تؤثر على مراجع هذا الفكر والأوساط التي ينتسب إليها، إلى بصورة محدودة جدا وعلى مستوى سطحي في كثير من الأحيان، أما السواد الغالب من الكتل العربية، فالملاحظ بكل بساطة أنه لا ينفعل مطلقا بمبدأ الفكرة هذه، ولا يبدو أنه ذو استعداد حقيقي للتجاوب معها والتأثر بمقتضياتها على أي منحى من المناحي.
ويقر عدد من العلمانيين العرب بوجود هذه الحقيقة إلا أنهم لا يجدون في ذلك ما يدعو إلى التخلي عن فكرة العلمانية باعتبارها عاملا مهما له قيمته في تحقيق مبدأ الديموقراطية في المجتمع العربي الحديث وقد رأينا -فيما يتصل بقضية الديموقراطية وعلاقتها بمبدأ العلمانية -أن هذا المبدأ- كما تعنيه بعض أقطار العرب لا يلتقي مطلقا مع الاتجاه الفكري والوجداني الذي يؤثر في سير المجتمعات العربية بل أنه يتناقض أحيانا مع بعض ما تحتضنه هذه المجتمعات من قيم معنوية وتقاليد فكرية، وما تعتمده من موضوعات ومقاييس في مجال النظر والتقييم، وإذا كانت هذه القيم والتقاليد والمقاييس لا تستدعي بقوة العقل أو بقوة الواقع إيثار العلمانية كإطار من أطر التنظيم الجماعي فإنه من الجائز حينئذ التأكيد بأن الفكر العربي -على وجه العموم- لا يستجيب لمبدأ حياد الدولة إزاء الدين، لأن هذا الفكر ذاته قد نما أول ما نما، وترعرع بداية ما ترعرع في ظلال الحقيقة الدينية وضمن الإطار العام للفكرة الحضارية الإسلامية، وبالتالي، فإنه لم يستمد كثيرا من عناصر نموه واستمراره إلا من وجود هذه الحقيقة، وما تشتمل عليه من مضامين ومحتويات، ذات الأثر البعيد في