تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغربيين مثلا فإن النظام الكنائسي المعقد ما زال معتبرا دائما بصفته المنفذ الأساسي لأي تفتح على العالم الديني، ودنيا اللاهوت بمجموع ما ينطوي عليه ذلك من مضامين ومحتويات، ولهذا فقد تجذر في عقلية الثائرين على هذا النظام، أن السبيل الطبيعي للتخلص من مساوئه، هو السعي إلى الانفصال عنه سياسيا واجتماعيا وثقافيا وغير ذلك، وإقامة الحاجز هكذا بين السلطة الزمنية، متمثلة في الدولة ومؤسساتها من جهة، والمراجع الدينية متمثلة في النظام الكنائسي وتوابعه من جهة أخرى، وقبل أن يتم الانفصال بهذه الصورة في بعض دول أوربا وفرنسا بصورة أخص، وذلك في أعقاب الثورة الفرنسية سنة 1789، قبل أن يتم ذلك بذلت محاولات إصلاحية بعيدة المدى لتحقيق مبادئ معينة للإصلاح الديني والكنائسي على نطاق واسع، فقد قامت البروتستانية و (الكلفاتية) أوائل القرن السادس عشر كمظهر نزوع إلى التجديد في العقلية والطرائق الكنائسية المتبعة، غير أن هذه المنازع الإصلاحية الثورية لم تؤد -بالفعل- إلى تحقيق التطور الذي كان من الجائز أن يتم بصورة عامة شاملة، وعلى المستوى الذي يشمل الحياة الدينية عند عموم المسيحيين في العالم، لم يتم هذا الإصلاح الثوري على صعيد المسيحية كلها-كما كان يبدو ذلك ممكنا من حيث المبدأ- إلا أن هذا الإصلاح قد مس كثيرا من قطاعات الرأي العام المسيحي في العالم، وأدى في النهاية إلى تكريس الانفصال المذهبي الذي أصبح يميز باستمرار بين المسيحية الكاثوليكية من جهة، والمسيحية البروتستانية من جهة أخرى، ومن النتائج الحتمية لذلك، أن بقيت الكنيسة التقليدية تمارس سلطتها بصورة واسعة، وتستأثر في كثير من المناطق بربط وشائج الصلة بين الناس والعالم العلوي بل انها اضطرت -مرة أخرى- في سبيل الحفاظ على ذلك -إلى اللجوء لنظام محاكم التفتيش في مكافحتها للبروتستانتيين وانغمرت - وهي تمثل السلام والأخوة والمحبة- في خضم المطاحنات الدموية التي عرفتها اسبانيا وهولاندا وانجلترا وفرنسا وألمانيا طوال القرن السادس عشر، هذا إلى الهوة الاجتماعية التي ما فتئت تفصل بين رجال الدين أنفسهم، اذ كانوا منقسمين إلى طبقتين اجتماعيتين متمايزين، طبقة المستأثرين بالجاه والنفوذ والترف، وطبقة المحرومين، وليس للمرء أن يدعي بأن هذه الأحوال والظواهر كانت فقط الباعث الوحيد للدعوة التي انطلقت فيما بعد -عبر أوربا- مقتضية العمل على الفصل بين الدين والدولة، وإقامة العلمانية كفلسفة ومنهج وعقيدة، فهناك حقا الكثير من الملابسات التاريخية الأخرى التي لا ترتبط بموضوعنا والتي كان لها دائما -ولا شك- اثر متفاوت في كل هذه الأمور، إلا أن الحقيقة التي لا تقبل المراء بهذا الشأن هي أن بروز الكنيسة باعتبارها الباب الوحيد للصلة بين العالم المادي والروحي عند المسيحيين، ثم ما صاحب تمتعها بهذا الامتياز من مؤاخذات سلوكية واجتماعية واعتقادية وغير ذلك، ما كان يؤدي إليه اصطدامها مع الآخرين من حروب ومطاحنات رهيبة، استغرقت التاريخ الأوربي لفترة طويلة من الدهر، كل ذلك كان لا بد أن يكون له تأثيره في المآل الذي بلغته الفكرة الدينية عند كثير من الأوربيين ونشوء النظرية العلمانية عند بعضهم على نحو أو آخر، والحال في البلاد الإسلامية يختلف عن هذا في كثير من الأوجه، فقد كانت تقوم في كثير من عصور التاريخ العربي الإسلامي أوضاع دينية منحرفة، كانت تبدو في أغلب الحالات، مناقضة لروح الدين ومنطوقة ومفهومة، والوعي الفكري الذي حمل لواءه بعض الثوريين الإصلاحيين، كابن قيم الجوزية، وابن تيمية في القديم، وابن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني في العصر الحديث -كان يهدف في جملة ما يهدف إليه تطوير هذه الأوضاع، وإقامة إصلاح ديني حقيقي، على أوسع نطاق ممكن، والظاهرة التي يلاحظها المرء بهذا الصدد هي أن حركة الإصلاح الديني التي عرفها العالم العربي خلال القرون المتتابعة، لم تكتنفها -على وجه العموم- نفس الظروف والتطورات التي أحاطت بحركة الإصلاح الديني في أوربا أوائل عهود النهضة وفي بداية العصور الحديثة، ويبدو ذلك في مظاهر عديدة من بينها:

1 - إن حالات الحروب الأهلية والصراع الدموي الرهيب الذي نشأ عن الاصطدام بين الكاثوليكية من جهة، والبروتيستانية ومشتقاتها كالكلفانية من جهة ثانية، مثل هذه الأحوال تختلف كثيرا عن ردود الفعل التي كانت تحدثها الدعوات الإصلاحية الدينية في العالم العربي، هذه الردود التي كانت أقل عنفا وشدة، مما اعتاد الأوربيون أن يمارسوه دهرا طويلا، وإذا كانت هناك من ردود فعل سلبية كانت تقع على صورة أو أخرى في العالم العربي فإنها لم تكن تعدو نطاق الاضطهاد الذي كان ينصب على بعض

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٤٧