الهدف منصبا على قضايا العلاقة مع العالم الخارجي وذلك عن طريق العمل على تحقيق قدر من الانسجام مع بقية شعوب العالم، والتعاون في خدمة مصالح السلام والتعايش والتقدم والازدهار.
فهل من الجائز أن نطرح قضية العلمانية واللاعلمانية ضمن هذه الاعتبارات ونحاول أن نجد من خلال ذلك أساسا صحيحا للتقدير والتقييم: تقدير الحقائق والملابسات التي ترتبط بهذه القضية على صورة أو أخرى، وتقييم جانب الضرورات الممكنة التي يجوز أن يكون لها تأثير في الموضوع، والنتائج الموضوعية التي لا بد أن يسفر عنها كل ذلك؟ وبتعبير مغاير: هل هناك دواع عقلية وموضوعية تقتضي من رواد المجتمع العربي الحديث ايثار جانب العلمانية دون غيرها، كعنصر من عناصر النهج التنظيمي الاجتماعي الذي يحتذرنه؟ وهل تبدو العلمانية-بهذا الأساس- كمبدأ إيجابي وحيوي، لامكانية إنجاح هذا النهج، وإيصاله إلى مداه، أو بالأقل اجتناب العراقيل النفسانية والعقائدية التي قد تحول دون نجاحه؟ من اليسير جدا -عند استعراض أقوال العلمانيين العرب- أن تعثر على كثير من التقارير والتأكيدات المنصبة على ضرورة النهج العلماني في بناء المجتمع العربي الحديث، والأهمية القصوى التي تنتظر من اتباع هذا النهج، باعتباره الأداة اللازمة لتعصير الوجود العربي، واصطناع مركز مناسب ومتطور للجماعات العربية في عالم اليوم، لكن على ما تنبني تأكيدات مطلقة من هذا القبيل؟ وهل من الممكن أن تقوم كقاعدة انطلاق إلى تنظيم بعض جوانب الحياة العربية، والإسهام في تطويرها على صورة من الصور؟ من القضايا التي يدلي بها في معرض الدلالة حول هذا الموضوع: ان العلمانية هي السبيل الطبيعي المعقول لتحقيق المفهوم الديموقراطي للدولة، وأن أي بناء ديموقراطي دولي ( Etatique) لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق العلمانية، وذلك بالتزام الدولة لموقف الحياد إزاء العقائد الدينية المائلة، وامتناعها عن تبني أو احتضان أية واحدة من هذه العقائد إطلاقا، ومما لا ريب فيه، أن من بين مظاهر الديمقراطية العادية، أن تكون الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية مستمدة وجودها من روح الجمهرة الغالبة وقائمة على قاعدة الاستجابة لأهداف السواد الأعظم من الناس، والانسجام مع مصالحهم واتجاهاتهم المشتركة فهل تستجيب العلمانية -في واقع الأمر- لجملة الأهداف والمثل التي تحتضنها الكتل الاجتماعية الغالبة في مختلف البيئات العربية الراهنة؟ ليس من شك في أن الروح السائدة عند هذه الكتل، تعكس اتجاها عقائديا قويا إذا حللناه إلى أصوله الأولى فإننا نجده أقرب ما يكون إلى الإيحاء باللاعلمانية منه بالعلمانية، فالولاء الديني في البيئات العربية والإسلامية أقوى منه في أية بيئة أخرى في العالم، هذا مع غض النظر عن مفهوم الدين وما يحمله من مقتضيات متباينة عند عموم الجماعات العربية الراهنة، ولم يسبق -من جهة أخرى- ان كان الدين في المجتمع العربي موضوع الجدل والصراع المستمر مثل ما كان عليه الشأن في غربي أوربا ووسطها منذ أوائل عهد النهضة الحديثة وإذا كان هناك من صراع عقائدي بين العرب في القديم فإنه لم يكن يتناول روح الدين من أساسه، بقدر ما كان يتناول بعض أوجه الفكر الفلسفي أو الصراع السياسي الممتزج أحيانا ببعض المفاهيم الدينية العابرة، كالخلاف الذي كان يشب كثيرا بين الشيعة وغيرهم، طوال عصور متلاحقة من التاريخ الإسلامي، أما الصورة التي كان يتخذها الصراع الديني في أوربا، والتطورات التي وقعت في ميدان العلاقات بين البابوية من جهة، والأباطرة الأوربيين ثم رجال الثورات السياسية والعلمية في إيطاليا وغيرها من جهة أخرى، فكل ذلك يختلف في كثير -من الصور- عن الأحوال التي تميز بها تاريخ الحياة الدينية وتطورها عند المسلمين في مختلف العصور، وفي وسع المرء حقا أن يقيم بعض أوجه العصور، وفي وسع المرء حقا أن يقيم بعض أوجه المقارنة، بين ما كان يتم في كثير من العهود الإسلامية من استغلال للدين في غير مناحيه الطبيعية واستخدامه أحيانا لتركيز أوضاع فكرية وسياسية واجتماعية منحرفة، وإحاطته -من أجل ذلك- بهالة من مظاهر الطقوسية المتجمدة -في وسع المرء أن يعقف أوجها للمقارنة بين ذلك، وبين بعض الأحوال الدينية التي سادت أوربا فترة من الدهر، وكانت تتميز بشدة وطأة الكنيسة على حياة الفكر والمجتمع، وتحالفها كثيرا مع القوى السياسية القائمة، ومشاركتها في الاستبداد بمقدرات الأفراد والجماعات على اختلاف الصور والمستويات، على أنه إذا ما كان هناك سبيل لنوع من المقايسة من هذا القبيل، فإن هذه المقايسة تفقد كل مبرراتها إذا ما سرنا بعيدا في تقدير الحقائق والظروف التي ما فتئت تحيط بتطور النظرة إلى المؤسسات الدينية وانعكاسات ذلك على تفكير الناس ومشاعرهم سواء في الشرق الإسلامي من جهة، أو الغرب المسيحي من جهة أخرى، فعند