وعميق استمداداتها الذاتية والتاريخية، وكان منها ما هو آت عن طريق التفاعل مع الحركات الأخرى في العالم، والأفكار والتيارات التي تسود حياة الشعوب الأخرى إلا أن الحركة العربية -وقد التقت بهذه المعطيات الفلسفية والعقائدية المختلفة- فإنها لم تتأثر بها في النهاية إلا بصورة نسبية، ولا يبدو أنها تسير في سبيل الامتزاج بها إلا بقدر ما يتفق ذلك مع خصائص الفكر العربي، وطبيعة الاتجاه القوي الذي يتبناه هذا الفكر في مجالات الإصلاح الذاتي، والتعاون الدولي والتضامن الإنساني وأشياء كثيرة من هذا القبيل، لقد التفت الحركة العربية من قبل مع بعض الأفكار «الشوفينينية» التي سادت أوربا فترة من الدهر وما زالت تؤدي إلى ضيق الأفق الفكري وازدياد التصلب العنصري والتطرف القومي بكل حيثياته ونتائجه، لكن كل هذا لم يساهم -بصورة عميقة- في تعديل أهداف الفكرة العربية وتجريدها من محتواها الليبرالي الإنساني والاتجاه بها إلى سبيل آخر غير سبيل الديمقراطية التعاونية المتحررة، سواء في المستوى الداخلي أو على الصعيد الدولي العالمي، والتقت الحركة العربية أيضا بالأفكار الرائجة حول المادية التاريخية وما يتصل بذلك من نوازع الصراع الطبقي الداخلي والتطاحن العالمي الشامل، إلا أن ذلك كله لم يكن له ليؤدي إلى (تشييع) الحركة العربية وإخضاعها لحتمية المنطق الذي يتبناه الجدليون الماديون في أوربا والعالم، بل كان هناك على العكس من ذلك مجال لبروز حقيقة الحركة التعاونية العربية والحياد الإيجابي وما يرتبط بهذه المفاهيم من أفكار واختيارات قد تختلف في كثير من الأحيان مع عدد من النتائج التي ما زال ينتهي إليها الماركسيون واشياعهم في القديم والحديث، واتصلت الحركة العربية بجملة أفكار وقضايا وعروض من هذا القبيل، والواقع أنها لم تنته بعد إلى أساس قار وحاسم حول هذه القضايا بالذات وذلك بما فيها قضية الاشتراكية والحرية والديموقراطية وغير هذه المسائل الضرورية بالنسبة لبناء أي مجتمع سواء كان مركبا أو بسيطا، لكن المهم في الأمر أن مرحلة التقليد والاتباع الساذج الذي كانت تتميز به المراحل الأولى من نشوء الحركة العربية الحديثة -المهم أن هذه المرحلة قد وقع اجتيازها الآن على نحو أو آخر، وقد أصبحت النخبة العربية -متجاوبة مع مقتضيات البيئة الفكرية والعقائدية الجديدة - أصبحت هذه النخبة أو كثير من ممثليها على الأقل -تبدو شديدة الحرص على ممارسة حقها في الانتقاء والانتخاب، واختيار السبل الأكثر تلاؤما مع حقيقة الوجهة الحضارية العربية، والمقومات التي ترتكز عليها هذه الوجهة ومدى استعدادها للاشعاع على نفسها وعلى العالم، وهناك -ولا شك- بعض الاختيارات ذات الأهمية القصوى لا تزال معروضة أمام النخبة العربية في بعض الأقطار العربية، ومن بين هذه الاختيارات ما يتصل بقضية العلمانية واللاعلمانية والصلات التي بين ذلك، وبين تصور المفهوم التقدمي المتطور للجماعة العربية الحديثة، وقد يكون هناك من بين الأوساط الطلائعية العربية، من يتخذ موضوع العلمانية هذا أساسا حيويا لكل اتجاه يهدف إلى تطوير الجماعة العربية المعاصرة، وإكسابها القدرة على مواجهة الحقائق الاجتماعية والسياسية التي يفرضها واقع العالم الحاضر، إلا أن هناك داعيا للتفكير بأن هذه الوجهة من النظر -وان كانت تشكل أساسا عقائديا حاسما عند البعض- فإنه ليس من اللازم -بالضرورة- أن تكون صالحة دون غيرها لإقامة مفهوم صحيح عن طبيعة البناء السياسي والاجتماعي عند العرب المحدثين والصبغة العصرية التي يتعين على هذا البناء أن يكتسبها على وجه أو آخر، ليس من اللازم فعليا الاعتماد -بصورة خاصة- على جملة تأكيدات من هذا الباب، وليس من الضروري كذلك اعتماد هذه التأكيدات في التوصل إلى استنتاجات واختيارات حاسمة، تتعلق باتجاه الحركة العربية الحديثة، وما يرتبط بهذا الاتجاه من ملابسات فلسفية وعقائدية ووجدانية، فالاختيارات التي يمكن التوصل إليها في هذا المجال لا يسوغ أن تعتمد على مجرد التفكير العابر، القائم على بعض النماذج المترائية هنا وهناك في مختلف أنحاء العالم، بل إنه من اللازم -لكي تكون هذه الاختيارات معقولة وصحيحة في أسسها ونتائجها- أن تكون هناك ضرورة من الضرورات الإصلاحية تبيح احتضان هذه الاختيارات وتطبيق مقتضياتها بصورة أو أخرى -على البيئة أو المجتمع المراد إصلاحه، يجب أن يكون هناك إذن هدف إيجابي لا بد منه لتبرير أي اختيار يمكن اتخاذه، وإلا كان هنا الاختيار مجرد تهافت واعتباط ربما يكون من قبيل العبث أحيانا، وفي مثل الحالة الماثلة أمامنا فإن الهدف المتوخى بوجه أو بآخر، لابد أن يكون إما متركزا حول الإصلاح الداخلي، وتحقيق أوضاع ذاتية أكثر منطقية ونفعا واستمرارا، واما أن يكون هذا
مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٤٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ٥٢٤٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي