تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الانتلجنسيا العربية المتفتحة على معطيات التطور العالمي، وقضايا التقدم الإنساني المعاصر، يمكنها أن تؤدي أدوارا على درجة من الأهمية في هذا المضمار وذلك باسهامها في بث الروح العلمانية داخل المجتمعات العربية، وتمديد الأفق أمام الفكر العلماني لكي يحدث تأثيره الحقيقي على العقلية العربية، وعلى أوسع نطاق ممكن.

والواقع أن مساهمات النخبة العربية في مجال التطور الفكري والحضاري العربي، ما فتئت تكتسي أهمية بالغة حقا، وما زالت تبدو كعامل من أقوى العوامل التي أثرت في سير هذا التطور، واكسبته قوته التقدمية المبدعة، إلا أن الذي نستطيع أن نلاحظه على هامش هذه الحقيقة أيضا أن النخبة العربية لم تستطع أية جماعة منها أن تحدث من التأثير ما يعاكس روح الأمة العربية في الصميم، وما يتناقض مع شخصيتها ومقوماتها الأساسية أو يحولها عن اتجاهها التاريخي الحتمي، لقد بدرت في أفق العالم العربي مند بداية عصر النهضة الحديثة، بوادر مختلفة ومتلاحقة، قام بها أو دعا إليها هؤلاء أو اولئك من بعض رجال الطليعة الفكرية والتوجيهية بالبلاد العربية، وتقمصت هذه البوادر شكل حركات ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك، واتخذ بعضها صورة منظمات حقيقية ذات برامج وأهداف ووسائل بل ان منها ما وصل فعليا إلى اصطناع بعض الأحداث المدوية في التاريخ العربي الحديث، وملأ بذلك جزءا من سجل الوقائع والتطورات التي تميز هذا التاريخ وتلون صوره ومظاهره كذلك كان الأمر في مختلف الدعوات القومية الضيقة التي عرفها الشرق العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، هذه الدعوات التي تقوم في أسسها على مجرد الخيال التاريخي المجنح، وتتجاهل بجانب ذلك معطيات الواقع الماثل وما يحتويه هذا الواقع من حقائق انسانية وجغرافية وتطورية، وكذلك كان الشأن في المذاهب والنحل الأخرى ذات الصبغة الفلسفية والاجتماعية من شيوعية ونيهليستية ووجودية وغير هذه المذاهب التي وجد لها في كثير من الحالات دعاة ومروجون على الصعيد العربي، والتي تعتمد في جملتها على قيم ومعطيات تتناقض أحيانا وطبيعة التطور التاريخي للأمة العربية وتتناءى مع أهداف الرسالة العربية إلى العالم، وسواء في هذه الحالة أو الأخرى -حالة القومية الضيقة أو المادية الأممية أو غير هذا وذاك فإن الطليعة التي تلقفت بعصا من ذلك أو كله، ثم ما فتئت تحاول البحث من خلال هذا عن سبل ومناهج وعوامل ومقاييس يتحدد بها سلوك العرب في سيرهم الحتمي نحو التطور، ويتكيف بها المصير العربي على امتداد أبعاده وآفاقه، ان النخبة العربية التي آثرت هذا الطريق واختارته دون غيره، لم تستطع مع كل ذلك، أن تنتهي منه إلى احداث التأثير الجذري المنتظر على صعيد الحياة الثورية العربية ولم تتمكن -بالتالي- من الاندماج في هذه الحياة الثورية بالصورة اللازمة، والتفاعل معها على المستوى الذي تتطلبه أحوال من هذا القبيل، ومن ثم فقد بقي نشاط هذه النخبة محدودا جدا في مجالات نظرية معينة، واستمرت العزلة قائمة بينهما وبين المجتمع العربي المتطور، ولم يكن لها ان تساهم في حركته - ان كان هناك من اسهام- الا بدرجة متضائلة حقا بل وتافهة في بعض الأحيان، ولا يعني كل هذا أن الحركة العربية الحديثة، توجد متقوقعة في نطاق ضيق جامد، لا يتعداه مطلقا ولا يمكن لها نتيجة لذلك أن تتفاعل مع حقائق العالم، وعوامل التحول والتجديد التي تجتاح آفاق الحياة في ربوعه، ان ظاهرة التفتح في روح الحركة العربية الحديثة هي ظاهرة واضحة ملموسة، ندرك آثارها جيدا من دراسة اتجاهات هذه الحركة، وتطورها العام في مختلف الميادين، غير أن هذا التفتح الإنساني وإن كان يدفع الحركة العربية إلى مجال التصادي مع جملة الآفاق الماثلة في العالم المعاصر، إلا أنه لا يبيح لها أيضا الانسلاخ البسيط المجرد من كل إطاراتها الإنسانية والتاريخية والانفلات من مجموعة الحقائق والملابسات التي تلتصق بمحتواها الجوهري على نحو أو آخر، فمن الضروري حقا للحركة التطورية العربية أن تسعى إلى تحقيق مزيد من مظاهر التلاؤم والتكيف مع الآخرين، وذلك باعتبار الإطار الحضاري العالمي الذي تعيش في محيطه العام، ومن اللازم أن تتفاعل معه على مختلف النسب والمستويات، لكنه ليس من الضروري -من جهة أخرى- أن يكون هذا التلاؤم أيضا مجرد تهافت ساذج وغير هادف، ربما لا يكون هناك أحيانا ما يبرره أو يجيز وقوعه، ومما يلاحظ بهذا الشأن أن المراحل التي ما فتئت الحركة العربية تقطعها منذ عشرات السنين لم تكن كلها من صنف هذا التهافت الساذج أو مما يوازيه، لقد امتزجت الحركة العربية -طوال فترات تطورها إلى عهدنا الحاضر- امتزجت بمعطيات فلسفية وانسانية عديدة كان منها ما هو نابع من صميم هذه الحركة،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٤٤