دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 54
العلمانية واللاعلمانية
للأستاذ: المهدي البرجالي
واقع الفكرة العلمانية في المجتمعات العربية الحديثة -النخبة العربية وصلتها بالتيارات الفكرية والعقائدية المعاصرة- النخبة العربية بين العلمانية واللاعلمانية- بعض الاعتبارات الأساسية التي يقوم عليها المبدأ العلماني في مجال النظر والتطبيق- العلمانية وقضية الديموقراطية الاجتماعية- العلمانية وقضايا التعايش الدولي- اللاعلمانية من حيث المبدأ العقائدي الإسلامي والإمكانيات الإيجابية المتوافرة لها بهذا الصدد.
من بين القضايا التي تثير قدرا كبيرا من الاهتمام عند التعرض لموضوع الحركة العربية الحديثة، قضية الصلة بين هذه الحركة، وبين مفهوم العلمانية كما يدين به البعض، واللاعلمانية كما يرى ذلك آخرون والذي يظهر بادئ ذي بدء، أن جانب الفكرة الأولى -فكرة العلمانية- لا يزال منحصرا في نطاق محدود جدا، سواء من حيث الأوساط الفكرية التي تدعو لها أو من حيث التأثير الذي يمكن أن تكون قد أحدثته على
Vao day nghe bai nay di ban http://nhattruongquang.0catch.com
واقع الأحوال العقلية والوجدانية التي تسود مختلف أنحاء العالم العربي، وما تقوم عليه هذه الأحوال من تأثر عميق بالفكرة الدينية الشاملة ونتيجة لذلك فإنه من اليسير دائما التأكيد بأن مبدأ العلمانية لم يتخذ بعد أي سبيل للتجذر تجذرا حقيقيا ومؤثرا في جوهر الحركة العربية المعاصرة، وكما يلاحظه المراقبون فإن مختلف الدساتير التي صدرت خلال السنوات العشر الأخيرة سواء في مشرق العالم العربي أو مغربه، تتضمن تأكيدا حقيقيا لهذه الظاهرة، واتباتا للرأي القائل بأن العقلية العربية لم تتوافر لها الدواعي اللازمة لاحتضان مبدأ العلمانية، وذلك على مثال الصورة التي يقوم عليها هذا المبدأ في الغرب، وأهم ما يلاحظ في هذا الشأن التنصيص الذي تتضمنه هذه الدساتير على أن الإسلام هو دين الدولة، مع احترام مبدأ الحرية الدينية بالطبع بالنسبة لجميع الأقليات العقائدية الأخرى، ومثل هذا التنصيص يوجد مثبتا سواء في الدستور المغربي أو التونسي أو العراقي أو غير هذه الدساتير، ومن أهم الماجريات التي حدثت بهذا الصدد خلال الفترة الأخيرة، صدور المبادئ العامة التي تقوم عليها الأنظمة التوحيدية بالشرق العربي، واشتمال هذه المبادئ على مضمون الاعتراف بالدين الإسلامي كحالة عقائدية رسمية، ومن غير شك، فإن إقرار مبدأ من هذا النوع ليس مما يتفق مع الفكرة العلمانية التي يحتضنها البعض على نحو أو آخر، إلا أن العامل الأساسي في مجموع هذا الأمر كله، هو واقع الفكر العربي على وجه العموم، هذا الفكر الذي لا يبدو مستعدا بدرجة كافية لاستقبال عناصر الفكرة العلمانية، والاستنتاجات التي تقوم عليها هذه الفكرة سواء بوجه أو بآخر.
ولا يتجاهل العلمانيون في العالم العربي، أهمية هذه الحقيقة القائمة .. حقيقة الفارق الكبير بين النظرية العلمانية في خطوطها الكبرى من جهة، ومؤثرات الفكر الديني في المجتمع العربي من جهة أخرى إلا أنهم ينتهون مع ذلك إلى التأكيد بأن العلمانية لا بد أن تجد سبيلها في الأخير إلى التأثير على وجهة الفكر العربي سواء في مجالات التنظيم السياسي أو الثقافي، أو في غير ذلك على صورة من الصور، وبالنتيجة لذلك فإنه من الجائز جدا أن يصبح لها دور مهم وبعيد المدى في مستقبل الحركات التوحيدية التي تقوم هنا وهناك في مختلف أنحاء العالم العربي، ويحظى -بهذا الصدد-