من هنا نلاحظ أن فترة ما بعد الاستقلال المغربي بأحداثها وملابساتها لم تسمح لأمتنا أن تثبت مواقع أقدامها على الأرض، إذ أن طاقاتنا البشرية مازالت تعاني من الجهل صروفا وألوانا تمنعنا من الانطلاق والتقدم، كما أن رواسب أيام الاحتلال مازالت تقف عقبة في وجه التطور، وجميع إمكانياتنا الأخرى المادية منها والحضارية مادة خام وأرض بكر لم يتح لها بعد أن تشهد نور التخطيط والتصميم الذي يشيع فينا الخير والرفاء.
لذلك تبقى القدوة الحسنة في هذا المضمار أملا من آمال الأمة العزيزة وهدفا من أهدافها البعيدة المرجوة إلى جانب الحكمة والكرامة والخلود.
ذلك أن المثل الأعلى للحكمة كامن في العلم الواسع الغزير والإطلاع الذي لا يعرف الحدود والاختراعات النافعة للأمة وللإنسانية، والتنظيمات الجبارة الهادفة إلى البناء والتعمير.
والحكمة كذلك «ضالة المؤمن أنى وجدها التقطها»، فهي عرق وجهد وتعب ونصب وكد مستديم، فما أقل ما تجد رواد الحكمة في بلادنا لصعوبة الطريق.
فهي إذن هدف عزيز مقرر، ومبدأ لا يدور حول ضرورته خلاف، ولكن العمل له والسعي إليه من الأمور التي تكلف غاليا وتحتاج إلى أكثر من جهد لبلوغه.
أما الكرامة فهي ميزة الإنسان الآدمي الذي يتصف بالمعرفة والعقل ومحبة الخير.
وإذا كان العقل والعاطفة مصدرين لكرامة الإنسان فإن هذه الكرامة لا تتوفر له إلا باستعمال معرفته العقلية وعاطفته الإنسانية فيما يعود عليه وعلى الآخرين بالنفع والعزة، ففي الطبيعة وسائل خير وأمن وقوة لا يحركها إلا العقل ولا يستفاد منها إلا بالعقل ولا يمنعها من التسلط والطغيان والظلم إلا القلب الإنساني الكريم ذو العاطفة الرحيمة.
ونحن المغاربة كرماء مبدأ، عقلاء أصالة، رحماء عادة، ولكن المبدأ والأصالة والعادة كل هذه صفات لم تجد لها مكانتها من نفوسنا وعقولنا، وأصبحت في حاجة ماسة إلى شيء من الصقل والتهذيب والتوجيه.
والمغرب -بعد هذا- أمة خالدة تاريخيا، فأين نحن من خلود العصر الحاضر الذي تغيرت فيه مقاييس المجد والبقاء والخلود.
وعندي أنه لا خلود في هذا العصر لأمة ليس لها من مشاركة في التراث الحضاري للإنسانية من حيث العلم والفن والصناعة والثقافة، ولا يحسب لها حسابها من حيث القوة والمنعة والجاه.
الأمة الخالدة في هذا الزمان هي التي تعتصم بمثلها الأعلى الذي لا يعرف التبعية كيفما كانت أشكالها وصورها، هذا المثل الذي هو حرب على التفسخ والانعزالية والأنانية.
إن المؤمن بمثل أعلى صاحب دعوة في هذه الأرض لا تهدأ له نفس، ولا يقر له قرار إلا إذا عاشت دعوته عزيزة الجانب موفورة الكرامة سائدة حاكمة.
إننا في مرحلة انتفاضة لتجديد مثلنا الأعلى وتهذيبه وصقله، ونحب لمثلنا الأعلى هذا أن يكون مغربيا أولا، منبثقا من وعي جماهيرنا وإبداع شعبنا ثانيا، مؤمنا بالحكمة والكرامة ثالثا.
وكل مثل يؤخذ به عن غير هذه الطريق، ويراد به غير هذه الأهداف إنما هو مثل سوء لا مثل خير، ومثل أدنى لا مثل أعلى.
سلا - عبد الله الكامل الكتاني