تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«القدوة الحسنة» التي هي صلة ما بين تراثنا الماضي وبين ما نسعى إليه من تجديد وتطوير وابتكار وإبداع، فهذه المرحلة ليست هي الإبداع نفسه وإنما هي مرحلة إعداد.

ويختلف الأمر بعض الشيء بالنسبة للصناعة العصرية أو «التصنيع» كما يقال في هذه الأيام، ذلك أن التصنيع قد توجهت إليه أنظار سائر الدول في العالم، وأصبح ميدانا للتسابق السريع والمنافسة المدهشة، حتى ليصعب علينا عمليا وماديا مجرد التقليد والنقل، فالذي يقع أننا عندما نحاول أن نقلد تعوزنا المادة، وإذا وجدنا المادة افتقرنا إلى ما نسميه بالفنيين، ومع ذلك فقد يجيء نقلنا مشوها وتقليدنا غير مطابق للأصل، فهذه المرحلة كما نرى مرحلة «بدائية» مشوهة لا تصلح بحال من الأحوال أساسا للتجديد ولا للإبداع.

لذلك كان لابد أن تسبق هذه المرحلة الابتدائية مرحلة إعداد وتصميم لإيجاد الإمكانيات المادية والمعنوية من أموال وفنيين للسير ببلادنا قدما نحو التصنيع.

فإذا حولنا وجهتنا نحو الإبداع «العلمي» و «الفني» وجدنا الحالة قريبة بعض الشيء مما تحدثنا عنه في ميدان الصناعة قبل قليل، فالعلماء والأدباء وأهل الفن في بلادنا مقتدون، والإقتداء ليس عيبا بالمرة بل هو مرحلة إعداد للإبداع إذا لم يقف المقتدي عند حد الترجمة والنقل والاجترار الذي لا لذة فيه ولا جديد.

فاصطلاح «بضاعتنا ردت إلينا»، الذي رمانا به الأديب ابن العميد، ليس إلا تصويرا صادقا لحالة الاجترار، هذه الحالة التي نحن عليها اليوم، وإن كنا نحب -من أعماقنا- أن نتعالى على هذا الوصف الذي وصفنا به عبر العصور، فالعامل منا قد «جمد» -هو الآخر- على قوالب الحضارة القديمة وذاب في النصوص والتزم المذهب، بل وربما رضي لنفسه برأي رجل واحد من رجال المذهب وجده أقرب منالا في الفهم والإدراك.

ليست هذه هي الأسوة السحنة وما هي بالقدوة الصالحة أبدا، وإنما المثل الأعلى في ذلك كله مشاركة عملية، ومعالجة للنصوص، وقدح الفكر بالفكر، والأخذ بأسباب الجديد والبديع من كل شيء.

وأهل الفن عندنا «محافظون» ونسخ طبق الأصل «للملحون» و «الأندلسيات» و «الموشحات» و «الشرقيات»، وأهل الأدب في نوم هادئ مستكين، يعكف الواحد منهم على مقالته شهرا من زمان وعلى بحثه عاما يستكمل فيه سائر شروط الإجادة الفنية، لدرجة أقفر معها الجو من كل أثر أدبي أو فني، وخلت دنيا الأدب من كل إنتاج جميل، اللهم إلا نثارات هي إلى حديث الجريدة والصحافة أقرب منها إلى حديث الأدب والقصة والشعر.

ولسنا نجد لمشاكل الإبداع الفني والعلمي والصناعي هذه مثلا إلا في «الوعي» العميق لخطورة المشكلة.

والوعي شعور مستنير بحقيقة الوضع، واتجاه صارم متحفز إلى الأمام، ويلاحظ أنه في إمكان كل واحد منا أن يتصور الوضع ويشعر بسلامته أو خطورته فيسمى عندئذ واعيا، ولكن المثل الإنساني الأعلى للوعي أن يكون هذا الشعور العميق بالمشكلة ذا أثر قوي في المواطن بحيث يحفزه على العلم بمقتضى هذا الوعي.

وكلنا في هذه البلاد واعون لعمق المشكل الذي نعيشه، ولكننا لا نملك من العزم ومن التصميم ما يجعلنا في مستوى المثل الإنساني الأعلى في هذا المضمار، ولعل الآباء وأهل الرأي منا هم الذين يناط بهم أداء هذا الدور الأخلاقي والتربوي في مجتمعنا الحديث.

إن مهمة «التوعية» أو نشر الوعي بالمعنى الأمثل لا توكل عادة إلا لأصحاب الضمائر النقية الذين يمهدون السبل أمام الناشئة للعمل والإقتداء والتأسي.

ومتى انتشر الوعي وتوفرت وسائل الإبداع أمكن للأمة أن تشق طريقها نحو التقدم والازدهار.

والتقدم مسير إلى الأمام في مختلف الميادين المادية منها والحضارية، فلكي تتقدم الأمة يجب أن تثبت مواقع أقدامها على الأرض، وتتمركز في المحيط الدولي جاعلة لها فيه موقعا يناسب مكانتها كأمة مكونة من مجموعة من البشر تستند إلى ماض قريب أو بعيد بمقوماته ومقدساته، وتعيش على رقعة من الأرض فيها خيرات وأرزاق واقتصاديات ظاهرة أو مخبوءة تحت الأرض يقتضيها التقدم أن تستغلها أحسن استغلال وتتصرف فيها بما يلائم موجوداتها من الطاقات البشرية الحية والإمكانيات الحضارية التالدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٤١