ومع هذه الطبيعة الوضيئة المعطاء لا تريد نفوسنا أن تتفتح على هذا الجمال لسبب واحد هو أنه حسن بدائي.
والحقيقة أن الناس جميعا في كل زمان وفي كل مكان منحصر قد سئموا الجمال «المصنوع» وراحوا يتطلبون هذا الجمال «الطبيعي» الذي تتوفر بلادنا عليه، ولكن ما حيلتنا إذا كان الأمر في بلادنا لم يستقر بعد ولم يتخذ له ميزانا يسير عليه، إذا لتفتحت نفوسنا على هذا الجمال وجعلنا له في قلوبنا موضعا للمحبة والتقديس.
على أن المغاربة -فيما يرى أناس- من أكثر أهل الأرض محبة للحق وتفضيلا له على الباطل، حتى لقد شاع على ألسنتهم أن المغاربة ناس طيبون، متمسكون بالدين، فيهم غيرة على الحق وحماسة له وحمية عليه .. وهذا كله حق وصدق، غير أن محبتنا للحق هذه أصيبت بشيء من الاختلال وعدم التوازن لأسباب إنسانية وتاريخية، منها الجهل الذي خيم على عقول المغاربة فترة من زمان ولا زالت مخلفاته تتوارث حتى عصرنا هذا، ومنها كذلك الاستعمار البغيض الذي استغل محبة المغاربة للحق هذه استغلالا غير إنساني في ظروف وملابسات يعلمها الجميع.
إن التعلق بالحق أمر مهم، ولكن الإخلاص له ولمفاهيمه أجدى على المغاربة من هذا التعلق العرضي الذي يزول بزوال عاداته وأسبابه، ذلك أن الإخلاص للحق تتمثل فيه أوصاف خالدة مجردة كالاستمرار والتفاني في سبيل المبدأ، وهذا ما يدفع عن الحق صفة «النفعية» و «الوقتية» ويجعله إنسانيا في إطار وطني صميم.
لذلك فإننا نستطيع أن نصحح تلك الأوضاع الفكرية التي هي من مخلفات الاستعمار والجهل في بلادنا بالفهم الصحيح لمعاني الحق ومقوماته: فيصبح الإنسان المغربي طيبا بمفهوم الطيبوبة المجرد، أي بالمفهوم الإيجابي الذي يجعله طيبا في كل زمان وفي كل مكان مع نفسه ومع الناس أجمعين، لا أن يطلق عليه هذا اللفظ تسكينا لخاطره وتطييبا لنفسه، بل لأنه في الحقيقة والواقع طيب ولا يقبل إلا طيبا، فتغدو معاني التمسك والغيرة والحماسة والحمية أوصافا خالدة تنكر كل تخاذل وكل سلبية في الأعمال والتصرفات، ويسيطر المبدأ الفكري الواحد القائل: ?لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ? [النحل: 60]، فضعفاء العقيدة ليسوا على شيء، ولهم مثلهم السيء يمضون عليه في الحياة، كما أن للمؤمنين بالله أي بالحق مثلهم الأعلى وطريقتهم الواضحة ووصفهم الخالد المكين.
والمثل الأعلى بعد هذا قدوة حسنة متحركة مبدعة وخلاقة تستمد القوة من العناصر الإيجابية في الماضي التليد لبلادنا، ومن العناصر الإيجابية في الحاضر السعيد للبلاد المتقدمة الأخرى، وبهذا المفهوم يكون المثل الأعلى للمغربي في هذا الزمان حركة دائمة لا تخلد للراحة ولا تعرف السكون، وإبداعا خلاقا لا يجمد على التقاليد الفاسدة في الماضي وفي الحاضر كذلك، واتجاها مستقرا هادفا ومندفعا دائما نحو الأمام.
والإبداع في هذا المفهوم ترويض الفكر على الخلق والابتكار، وتوجيه الإمكانيات المادية والطاقات المعنوية للأمة إلى التجديد والاختراع، حتى تصبح مسايرة للتطور بل ومسهمة فيه بالنصيب الأوفى.
ومن هنا تبدو حركية المثل الأعلى [هي] التي تحارب كل جمود على القوالب المعروفة للحضارة وتندفع إلى الإسهام الفعال في تطور المجتمع الإنساني، ويغدو المثل الأعلى حركة واندفاعا ونشاطا لا مجرد إيمان ساكن مقلد.
على أن روح التجديد هذه هي أهم شيء في العمل الإبداعي صناعيا كان أم فنيا.
والصناعات المغربية، وأعني بها هنا التقليدية، شيء جميل ورائع بالنسبة إلى فترة معينة من فترات تاريخنا، حين كانت تلك الصناعة تمثل آخر حلقة في سلسلة التطور، إذ كانت تمثل الإبداع الحق، وصانعها يستحق منا التقدير والإعجاب، لأنه أعمل فيها الفكر الخلاق وأظهر فيها إبداعه ومهارته ومساهمته في التطور، ولكن الصانع الذي يجتر تلك الصناعة نفسها لا ينال من تقديرنا ولا من إعجابنا شيئا يذكر، إذ أنه اقتصر على «التقليد» و «المحافظة» على الطابع القديم، ولكنه ينال منا شيئا آخر لا أعرف كيف أسميه، شيئا من الرغبة في الاحتفاظ به ليؤدي هذا الدور .. وهذه الرغبة منا في الاحتفاظ بهذا الرجل ليست هي الإعجاب أو التقدير اللذين ينالهما منا ذلك الصانع المبدع القديم، ولكنها شيء آخر: إنها تجريد منا لهذا «الصانع» من روحانيته، لأنه تنازل عنها بمحض اختياره حين «جمد» على قوالب الحضارة المعروفة، فأصبحت رغبتنا في الاحتفاظ به كرغبتنا في الاحتفاظ بما تصنع يده من تقليد سواء بسواء، وما رغبتنا هذه في الاحتفاظ به إلا رغبة في الإبقاء على