مطران قد سبقهما هام 1900 في الدعوة إلى تحرير الشعر التقليدي: اشترك فيها العقاد والمازني من ناحية ومدرسة المهجر وعلى رأسها جبران ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، وكان مضمون مفاهيم الشعر عند المدرسة الحديثة هو: أن سكون الشعر متصلا بالنفس وأن أي قصيدة إذا غير ترتيب أبياتها اضطراب معناها، وأن يكون له قوته إذا ترجم إلى أي لغة أجنبية وأن تكون القصيدة وحدة كاملة.
وقد كان للشعر مجال ضخم في معارك الأدب وحظى أحمد شوقي بالجانب الأكبر منه فقد هاجمته المدرسة الحديثة هجوما عنيفا، وقد بدأ العقاد حملة على شوقي عام 1912 في رثائة لبطرس غالي ووالاه في كتاب الديوان 1922، كما حمل المازني على حافظ عام 1912 وكان الرافعي قد رتب الشعراء عام 1905 في مقال له بمجلة الثريا طبقات، ووضع نفسه في الطبقة الأولى مع الكاظمي والبارودي وحافظ ووضع صبري وشوقي ومطران في الطبقة الثانية.
ثم بدأت معركة السرقة الشعرية بين شكري والمازني 1918 حيث اتهم شكري المازني بالسرقة في مقدمة الجزء الخامس من ديوانه الإغارة على شللر وهيني وغيرهما، ورد المازني الضربة لشكري في الديوان بمقال مقذع باسم (صنم الألاعيب).
ودارت معارك أخرى حول «إمارة الشعر» بعد وفاة شوقي وحافظ وكانت أقصى المعارك الشعرية بين الرافعي والعقاد ويعد كتاب (على السفود) أشد هذه الحملة إقذاعا.
وقد بلغت معارك النقد في الشعر أبعد مدى من التعنت والتحامل وانبعثت في الأغلب من الخصومة السياسية وقد عرف الرافعي بتعنته في نقده للعقاد، وعرف العقاد بتعنته لشوقي، وعرف المازني بتعنته في نقده لشكري.
ومن أمثلة هذا النقد قول العقاد (إيه يا خفافيش الأدب، أغثيتم نفوسنا أغشى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم، السوط في اليد، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت، وستفرغ لكم أيها الثقلان، فأكدوا من مساوئكم فإنكم بهذه المساوئ تعملون للأدب، والحقيقة إضعاف ما عملت لها صفاتكم إن كانت لكم حسنة يحسها الأدب والحقيقة).
ويمكن القول بأن القواعد التي وضعتها المدرسة الحديثة في الشعر لم تكن نبراسا لها فيما نظمت من شعر، بل إن العقاد نفسه تحول عن هدفه حين نظم في المسرح والرثاء وأن الدكتور مندور قام بتغيير ترتيب قصيدة له فجاءت بنفس النتيجة التي قام بها العقاد لشعر شوقي وجعلها قاعدة لنقده للشعر التقليدي.
تحول النقاد عن القواعد التي وضعوها
وأعجب ما في الأمر أن هؤلاء النقاد قد تحولوا عن مناهج النقد التي وضعوها فقد غير طه حسين رأيه في دراسة الأدب، بعد أن دعا في كتابه (ذكرى أبي العلاء) إلى دراسة الأدب على أساس علمي محصن، عاد بعد ثلاثة عشر عاما في كتاب الشعر الجاهلي فقال أن الأدب لا يستطيع أن يعتمد على مناهج البحث العلمي الخالص وجدها ولابد من اعتماده على الذوق الخاص.
وتحول المازني عن نقده لحافظ وشكري.
وتحول طه حسين عن نقده للمنفلوطي.
وتحول طه حسين عن رأيه في شوقي كما تحول المازني في نقده لشوقي.
وقال المازني عن نقده لحافظ (أما النقد فقد أسقطنا من جملة ما كتبنا غير آسفين على إسقاطه، فقد كان مما أغرت به حماقة الشباب).
ومن هنا يمكن القول بأن كتابنا لم يلتزموا قواعد النقد الأدبي التي رسموها، وأنهم لم يكونوا جادين في فرضها. وأن نقدهم كان في الأغلب مغرضا ذاتيا مرتبطا بالأهواء الخاصة والتقلبات السياسية، وقد بلغ النقد الأدبي حدة من العنف عند أحمد فارس الشدياق في فجر الحركة النقدية في الأدب العربي وقد أورث هذه الطريقة أحمد زكي باشا شيخ العروبة، وسار في هذا الاتجاه الرافعي وطه حسين والعقاد فكانوا أشد نقادنا عنفا وأبعدهم عن النزاهة والتجرد.
وكان الخلاف بين الرافعي والعقاد -وقد دارت بينهما أعنف المعارك- إنما يرجع إلى أسباب خاصة منها أن للعقاد رأيا في إعجاز القرآن غير رأي الرافعي ذكره في حديث له في مجلة المقتطف، وأن العقاد أزعجه تكريم سعد زغلول لكتاب الرافعي هذا واتهامه بأنه لم يكتب له شيئا، وكان هناك خلاف آخر حول النشيد