وقد كشف أكثر من رسالة عن مدى سيطرة المستشرق الغربي على أقدار الشباب العرب الذين يدرسون في الجامعات المختلفة، هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوربا دون أن يحصلوا على قدر كاف من الثقافة العربية، ودون إيمان واضح بأمتهم وثقافتهم وشخصيتهم العربية، فلم يلبثوا أن جروا في تيار الدعوة التغريبية ظهر هذا في رسالة منصور فهمي 1914 عن (حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها)، ورسالة طه حسين 1917 عن ابن خلدون حيث هاجم المغاربة واتهمهم بالقصور عن التجاوب مع الحضارة الغربية، واعتبر كفاحهم في سبيل الحرية ومقاومة الاستعمار الفرنسي عملا منافيا للتحضر والترقي.
وعندما حاول مثل زكي مبارك أن يواجه المستشرقين بآرائه ويعزف عن التبعية الفكرية والعمالة الثقافية حطموه في بلده وأبعدوه عن الجامعة وعن وزارة المعارف وهددوه حتى يئس ولم يجد له طريقا إلا الخمر ...
وقد تحول منصور فهمي عن التبعية الثقافية ولكنه لم يجرؤ على كتابة كلمة واحدة في الرجوع عن أرائه.
* * *
ولعل أهم مصادر اضطراب النقد هو أنه ارتبط بالدعوة التي دعاها لطفي السيد 1907 إلى التمصير وهي دعوة سياسية ولكنها استتبعت الدعوة إلى مصر منذ ذلك الوقت طابعا إقليميا ضيقا، كان له أثر في جميع معارك النقد بعد ذلك، ذلك أن دعاة تمصير اللغة إنما كانوا يهدفون إلى تغليب اللغة العامية وتحويلها إلى لغة مصرية خالصة منفصلة عن اللغة العربية الأم، وهي دعوة دارت حولها معارك متعددة: أبرزها معركة لطفي السيد مع مصطفى صادق الرافعي وعبد الرحمن البرقوقي، وقد تواترت المعارك حول هذه القضية طوال تلك الفترة بعدما حمل لواء العامية سلامة موسى وحمل لواء الكتابة بالحروف فريد أبو حديد وأحمد أمين وغيرهما في التخفف من اللغة الفصحى.
وقد كانت أبرز المعارك الأدبية قد دارت حول الأسلوب والمضمون والنزعة اليونانية والصراع بين المذهبين الفرنسي والإنجليزي في النقد وكتابة السيرة والأساطير، وحول الترجمة وأدب الساندويش والأدب المكشوف ومقومات الأدب العربي والنقد الذاتي والموضوعي.
تطور مفهوم النقد
ويمكن القول أن مفهوم النقد كان إلى ما قبيل الحرب العالمية الأولى في العالم العربي نقدا لغويا يحتفل بالصيغ والألفاظ والنواحي البلاغية، ثم تحول من بعد إلى العناية بالتجربة الشعرية والصياغة الفنية والناحية الموضوعية، غير أن دعاة الاتجاه الجديد ذهبوا في مجال التحرر من القيم الثابتة والتي قامت عليها الحياة الفكرية العربية واستهانوا بمقومات فكرية أصيلة، وأبرز من تصدى لهذه الجوانب جماعة المتأثرين بالمستشرقين والمبشرين ودعاة التغريب في العالم العربي وقد دعوا إلى:
- حياة القدماء وإضفاء ثوب التقديس عن كل ما هو قديم ودراستها كأنها حياة الناس فيها الخطأ والصواب.
- إنكار روايات التوراة والإنجيل والقرآن بالنسبة للنبيئين إبراهيم وإسماعيل وإنكار وجودهما التاريخي واعتبار أن قصتهما نوع من الحيلة الدينية.
- إلقاء الشك على الجوانب القومية في التاريخ العربي والاستناد في ذلك على حياة شعراء ماجنين وذلك على النحو الذي حدث عندما حاول طه حسين اتهام العصر الأموي في نهايته، والعصر العباسي في بدايته بأنه عصر شك وعبث ومجون معتمدا في ذلك على كتاب الأغاني أو بعض الشعراء أمثال أبي نواس وغيره، بينما تجاهل الكاتب عشرات من أعلام الفكر والفقه والشعر وغيره في نفس المرحلة.
- الاندفاع في محاربة الأسلوب التقليدي في الكتابة إلى الحد الذي يصل إلى محاربة الفصحى نفسها.
- الانحراف في كتابة السيرة وتغليب الأساطير عليها.
- الدعوة إلى الأدب المكشوف باعتباره اتجاها طبيعيا إلى الكشف عن النفس الإنسانية.