تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى قسطاطي الحمصي أن إبراهيم اليازجي هو أول من رسم الخطط الأولى للنقد بمقاله (في صناعة فن النقد) في المجلد الثاني من الضياء (1898).

وفي نقد الشيخ حمزة فتح الله وحسين المرصفي وسيد حسن علي المرصفي التي عرفتها دار العلوم في أوائل هذا القرن كان النقد منصبا على اللغويات ومعاني الكلمات.

ومن ثم تحول أمصال طه حسين من نقده اللغوي لكتاب النظرات 1912 إلى مفاهيم جديدة وأنكر نقده القديم.

غير أن هذه المرحلة الجديدة لم تكن قائمة على أساس ثابت، حقيقة أنها أخذت المقومات الحديثة للنقد ولكنها مضت بها أبعد من الشوط، واندفعت بها نحو الغرض الشخصي، ثم انحرفت بها حين اتخذتها وسيلة للغض من مقومات الفكر العربي كله ومهاجمة اللغة والتاريخ ومختلف القيم الأساسية.

وقد ظل اتجاه فارس الشدياق في خلط المناظرة العلمية بالمقاذعة، والانتقال من البرهان إلى الطعن والشتم، يسير ف يخط طويل لن يستطع النقد الحديث التحرر منه.

بل يمكن القول بأن دوافع المعارك الأدبية -في الأغلب- لم تكن خالصة لوجه الفكر وغنما وقعت تحت سيطرة دافعين كبيرين هما: الخصومات السياسية، والخلافات الشخصية.

وربما أدى هذا إلى تناقض الكتاب بين معركة ومعركة، أو تحول عن اتجاه إلى اتجاه أخرى، وربما كان الرأي مقيدا بوجه نظر أو ظرف معين، فإذا اختلف هذا الظرف تغير الرأي.

ولعل النقد السياسي قد طغى على النقد الأدبي وأثر فيه وأبرز طابع السخرية والعنف في الهجوم. وربما كان الاختلاف السياسي مصدرا من مصادر الاختلاف الفكري فقد كانت مدارس سياسية تسير في الطريق العثماني الإسلامي أو الطريق الإقليمي أو الطريق القومي العربي وقد تأثر الفكر والأدب والنقد بهذه الميادين الثلاثة، هذا بالإضافة إلى التأثر بدعوات التغريب حيث بدا هناك تياران واضحان: هما تيار المحافظة وتيار التجديد.

وقد ذهب كل من التيارين إلى مداه، فدعا المحافظون إلى حماية اللغة العربية وقاموا كل محاولة للسخرية من التاريخ العربي وأمجاد الأمة العربية والوحدة العربية ودعوات التغريب إلى تصوير العقلية العربية بصورة منتقصة، وجعل الثقافة العربية متأثرة بالثقافة اليونانية، وتغليب التقليد على الاقتباس، أو تحريف السيرة بإضافة الأساطير، أو الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية.

هذا بينما ذهب المجددون إلى آخر المدى في الاستهانة باللغة الفصيحة والسخرية بتاريخ الأمة العربية والتشكيك في مقومات الفكر العربي وتراثه وقيمه المتمثلة في الفقه والتشريع والشعر والأدب وغيرها.

غير أن الأمور لم تلبث أن تطورت على نحو قارب بين المجددين والمحافظين وبقي عدد قليل من دعاة التغريب يقضون وحدهم، وقد انكشفت أهدافهم ذلك أن أغلب الكتاب المجددين الذين كانوا في أول الأمر يغالطون الجماهير لكسب الشهرة، ثم أرغمتهم السياسة على مسايرة الجماهير وتملقها كما حدث في كثير من الكتابات الدينية، والرضوخ لآراء المستشرقين حين تحول أحمد أمين للدعوة إلى العامية ومهاجمة الأدب العربي القديم، هؤلاء الكتاب قد تحولوا من بعد، إذ تكشفت لهم حقائق الأمور، حين شاهدوا الفوارق البعيدة بين شعارات الحضارة الغربية وبين واقعها وتصرفاتها العقلية في العالم العربي والإسلامي، هنالك استفاقت معان جديدة في نفوس هؤلاء لمفكرين جعلتهم يقفون وقفة النظر والتأمل، غلبت فيها عاطفة الإيمان بالوطن والتراث، وحق أمتهم عليهم، وقد بلغ بهم الاعتقاد حد الإيمان بأن هذه المذاهب التغريبية لن تصل بهم إلى خلق أمة وفكر جديد، هنالك قاوموا زملائهم في آرائهم ووقفوا يعارضونها. فقد عارض (هيكل) دعوة طه حسين إلى كتابة الساطير على أنها جزء من سيرة الرسول، وعارض (توفيق دباب) الأدب المكشوف، وعارض (منصور فهمي) التقليد الخاص، وعارض فيلكس فارس نظريات التغريب في الثقافة، وعارض زكي مبارك النزعة اليونانية، وعارض المازني الكتابات الإباحية وترجمة القصص الفرنسية المكشوفة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٣٤