تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 31

أبحاث ومقالات: افلوطين ومدرسة الاسكندرية

للدكتور: نجيب بلدي

-2 -

عاش افلوطين سنوات نضجه الفكري والفلسفي في الجو الروحي الذي وصفناه في نهاية مقالنا السابق، في جو «مدرسة الاسكندرية».

وان لم يكن من الثابت أن معلمه أمونيوس كان من أتباع مذهب الهرامسة، لكن تعاليمه اتخذت مثل تعاليمهم صفة التلقين والإرشاد، وكانت تعاليم مغلقة سرية. أن أمونيوس كان يعلم الأفلاطونية القديمة، وكان يعمل في ذات الوقت على أن تتغلغل معاني تلك الفلسفة في نفوس تلاميذه، كما كانت تتغلغل التعاليم الهرمسية في نفوس «مريديها».

ولكن أفلوطين لم يكتف لا بالتصوف الهرمسي الذي اتخذ كما رأينا صفة السحر الروحاني، ولا بالتعاليم الافلاطونية التي تلقاها من امونيوس، بل جمع في روح جديدة هي فلسفته، او هي بعبارة أدق المدخل إلى فلسفته، بين التصوف الهرمسي وبين الأفلاطونية القديمة، انه وضع التعاليم الأفلاطونية في جو هرمسي اسكندراني، كما فلسف التصوف الهرمسي بعقل افلاطوني.

وثمرة هذا التفلسف نظرية أفلوطين في العالم المعقول. ولسنا نريد الدخول في تفاصيل هذه النظرية، وكيف أصبح التصور الأفلاطوني القديم للمثل تصورا يختفي فيه التمايز المطلق بين العالم المحسوس والعالم المعقول، فيظهر العالم المحسوس في صفاته وملامحه وحدها، وتزول عنه علامات الجمود والمقاومة والانقسام، كما يظهر العالم المعقول على هيئة كون متصل كل الاتصال، منير يحسه العقل وينفعل به، يتعقل الإحساس ويفهمه.

وقد كان من العوامل التي أدت إلى نشأة مذهب أفلوطين في العالم المعقول، هذا التطور للفلسفة الأفلاطونية، الذي تم على يد مؤلفي «المجموعة الهرمسية». وقد سجلنا (*) هذه الصفحة التي يصور فيها الهرامسة تحول العالم والإنسان بدخول العامل الالهي فيهما. ولمثل هذه الصفحة اصداء عميقة في نفس افلاطون، نتبينها في «تساعياته»، وخاصة المقال الثامن من «التساعية الخامسة».

ولكن افلوطين لم يقف عند أصداء الهرمسسية، كما لم يقف عند العالم المعقول، بل جاوز العقل والمعقول إلى ما فوقهما، وجاوز بذلك «مدرسة الاسكندرية» إلى مرحلة لم تعرفها تلك المدرسة. ارتقى من العقل والمعقول إلى الاله، وإلى «الواحد».

ورأينا أن هذه المرحلة الجديدة، قد نشأت تحت تأثير عوامل افلاطونية قديمة، وعوامل غير افلاطونية حديثة لا بد من الإشارة إليها.

فالهرامسة لم يعرفوا الطريق إلى الاله، وإلى الخير: فليس الاله أو الخير موضوع معرفة أو قدر كما تصوروا. انه موضوع أقوى الرغبات، وأعمق العواطف، موضوع الحب والمحبة. ان ما افتقر إليه رجال الاسكندرية في تصورهم للخير هو حب الخير ذاته.

(*) راجع مقالنا السابق في (دعوة الحق) ماي يونيه 1963 صفحة 46

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٢٠