تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد طالع افلوطين مع معلمه امونيوس محاورات «فيدون» و «المادية» و «فايدروس» وتعلم منها طريقي الامانة والمحبة اللازمين لبلوغ الخير، وتعلم هذين الطريقين أيضا بالممارسة والتجربة الشخصية، وجاوز في تصوره وممارسته هذه الحب الافلاطوني ذاته. صور لنا في عاطفة الحب شعور المحب التدريجي بأن المحبوب الغائب يترك في نفس المحب فراغا يحاول ملأه بصور من خياله، ويربط المحبوب بتلك الصور، ويغدق عليه ما يحمل خياله الشخصي من كمال ينزع إليه لم يجده في الانموذج الواقعي. هذا إلى أن ينتهي به الأمر إلى تعرف ما يحتويه الحب الإنساني، وما يؤدي إليه من خلاء وفراغ في النفس لا يملؤهما كائن من الكائنات مهما تكن مرتبته، بل لا يملؤهما تصور العالم كله، وما فيه من بهجة وكمال. والمحب في ذلك يجهد نفسه ما استطاع لتطهيرها، لا من ادران البدن ولا من الصور المحسوسة فحسب، بل من الصور المعقولة أيضا، غير مرتبط لا بكائن ولا بمعقول، ولا بعلم أو حكمة، حتى اللحظة التي يتعرف فيها أن رغبته وخيالته وقدرته لا تصلح إلا لتوسيع ما في نفسه من خلاء وفراغ. وأغرب الأمر أن ذلك الفراغ، ذلك الشعور بالعدم الذي يورث النفس جزعا يعرفه المحبون وحدهم، يتسع ويتوطد فيها كلما اشتدت العاطفة تأججا، وكلما تقدمت النفس في تطهير ذاتها وتصفيتها.

وفجأة يحسب المحب بحضور غريب لا مثيل له، ينسى عنده نفسه وبدنه وكل شيء في العالم. ما هو؟ ما نفسه؟ هذا ما لا يباليه في الوقت الحاضر.

لحظة فرح عظيم لا يضارعه أي فرح، ولا تريد النفس عنه بديلا. اذا منيت بحيازة العالم كله، أو بحياة مؤبدة في نعيم الكائنات المعقولة النورانية، على أن تضحي بلحظة الفرح هذه، لما أرادت التضحية بتلك اللحظة. نعم إنها لحظة تماس، تمضي كوميض البرق، وتترك في النفس بعدها فراغا، اعظم مما كان فيها من قبل، قد لا تطيق بعده الحياة، لولا تذكرها تلك اللحظة وتمعنها فيما احتوته وتضمنته من دروس وحقائق تجعلها تفهم كل شيء وتقدر كل شيء. انها تتذكر اتحادها بكائن لا يمكن أن تقول عنه إلا أنه الخير كله، وأنه هو الذي تاقت إليه في أعماق حبها. ولا يمكن أن تتهم بخداع أو توهم فيما رأته وأحسب به في تلك اللحظة التي عرفت عندها هذا الكائن، ما دامت هي مستعدة إلى إنكار كل شيء وذاتها في سبيل إثبات مارأته، وما أحست به.

نعم لا يمكن أن تتهم بخداع أو توهم، ولا أن يقال أن شدة حبها من ناحية، وأن الجزع من خلاء ذاتها من ناحية أخرى، قد ولدا فيها شعورا بحضور، أو يقينا باتحاد، أو ثقة بوجود كائن أسمى. انها لم تكن تتوقع شيئا مما رأته، ولم تكن تتنبأ به، لكنها عرفت بعد ذلك انها دعيت خفية إلى لقاء، وان الداعي لم يخيب آمالها.

هذه خلاصة تجربة افلوطين للحب والاتحاد بالاله، قيل انها تجددت له مرات أربع على الأقل أثناء حياته.

واضح أننا لا نجد شيئا يماثل ذلك لا عند الهرامسة من ناحية، ولا عند أفلاطون نفسه من ناحية أخرى، وأن افلوطين قد تقدم على الفلسفة الأفلاطونية القديمة تقدما عظيما، فأفلوطين لم يتخذ تجربة الحب كما فعل أفلاطون كمنهج يضاف إلى مناهج أخرى، غاية اتقان العلم ذاته سواء في صوره الرياضية أو في صوره الفلسفية. ولم يقف الحب عند الجمال الذي وقف عنده أفلاطون. هذا لأن الجمال صفة العالم المعقول، وهو مخلوق مثل هذا العالم. انه جاوز الجمال إلى أصل الجمال وخالقه أي إلى الخير، ثم أن افلوطين لم يقف عند رؤية بعيدة للخير، لم يكتف بأن يلمح الخير. انه بلغ اتحادا يفنى المحب فيه لحظة اتحاده.

وعلاوة على ذلك، وأهم من كل ذلك، فافلوطين، قد اعتمد على تجربة الحب هذه ليصور لنا طبيعة الاله بقدر ما يستطيع الإنسان ذلك. فكان التصوف الافلوطيني أساس اللاهوت الافلوطيني.

وسؤالنا الآن هو: إذا كانت مدرسة الاسكندرية قد أعانت على تحويل الفلسفة الافلاطونية إلى نظرية جديدة في العالم المعقول والمثل، فما الذي أعانه على الارتقاء فوق العالم المعقول ومكنه من الوصول إلى نظرية جديدة للاله.

قد أشرنا فيما سبق إلى أنه لا يمكن تفسير رحلته إلى الشرق برغبته في تعلم فلسفات فارس والهند، كما ادعى فورفيريوس، ولا يمكن أن نفسر تحوله عن الأفلاطونية وعن الاسكندرانية بما تعلمه أو بما رجا أن يتعلمه من تلك الفلسفات، هذا لأن رحلته كما ذكرنا كانت قصيرة الأمد، ولم تجاوز حدود آسيا الصغرى، ولأنه سافر إلى الشرق لا لأجل الشرق بل لاقتفاء آثار الإمبراطورية في الشرق، وانه لم ير بعد وفاة الإمبراطور داعيا لأن يبقى في تلك البلاد، أو إلى السفر إلى ما بعدها في الشرق أو أقصى الشرق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٢١