تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتمسك بها لا يقتضي أن يهتدي به كل الناس لأن من الناس من لا استعداد فيهم للهداية به لحيلولة الكفر وطبائعهم دون هدايتهم به، وحينئذ فعيب عدم اعتدائهم به ليس له بل هو راجع لطبائعهم وتمكن الكفر منهم.

ثم بين هذه الحيلولة الواقعة دونوهم ودون الهداية به يقول تعالى (ختم الله على قلوبهم) أي أن قلوبهم التي هي المحل الطبيعي من الإنسان لإدراك الأشياء وما فيها من حسن وقبح، وخير وشر، وسعادة وشقاء مختوم عليها بخاتم الحرمان، فلا يمكن للقرآن والحالة هذه دخوله فيها حتى يؤثر عليها تأثيره المعتاد منه ببيان منابع الإسلام ومحاسنه ثم زاد لهذه الحيلولة أمرا آخر وهو قوله تعالى (وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) تغشاهما وتحول دونهما ودون ما في القرآن من حجج ساطعة على أحقيته وكونه من عند الله وان المبلغ له ورسوله حقيقة.

ذلك أن العقل وحده قد يضل في النظر والاستدلال على الأشياء المطلوبة له أو المطلوبة منه، فيستعين بسمعه وبصره على إدراك حقيقة تلك الأشياء المطلوبة له أو المطلوبة منه، وها هنا لا يمكنه أن يستعين بهما عليها لأنها في عداد قلوبهم إذ عليها غشاوة تحجيها عن رؤية الحق أو سمعه وتأديته إلى القلب ومن أجل ذلك فلا يدخل منها شيء إليه حتى يرشد ويعتدي به، وقد شبه صرف قلوبهم عن التفكير في الإسلام وما فيه من حجج على وجود الله وصفاته وعلى رسالة النبي عليه السلام بالطبع على الشيء الذي يمنع أن يدخله أو يخرج منه شيء، وكذلك شبه صرف سمعهم وبصرهم عن الاستماع إلى تلك الحجج أو النظر إليها يقصد الذكرى والاعتبار بيدهما والطبع عليهما حتى لا ينفذ منهما شيء إلى القلب ينتفع به في إدراك حقيقة الإسلام.

وأما قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمومنين) فمعناه أن من الناس من يظهر منه الإسلام على لسانه وما هم بمومنين من قلوبهم وبواطنهم بل هم كافرون خفية وهذا هو الفريق الثالث الذي تقدمت الإشارة إليه فيما قبل وهو فريق المنافقين الذين يوجدون في الأمم عادة عند أول نهضاتها وقيام أئمتها وأولي الأمر منها بالدعوة إلى الإصلاح ورتق ما انفتق من شئونها.

فإن هذا الفريق بما أوتي من حرمان الثبات وضعف البصيرة يقع في حيرة من أمره ولا يتبين له الطريق الذي يسلكه ويذهب عليه هل القديم أو الحديث وهو لا يدري ما الذي يقع عليه اختيار الأمة فيثبت ويدوم، هل القديم رعيا لقدمه وجريان عمل الناس عليه واستئناسهم به؟ أو الجديد رعيا لدعاته وتجمعهم في سبيله ويذل أموالهم وأرواحهم عليه؟ فيتخذ طريقا وسطا بين المذهبين ينظر فيه النجاة لنفسه دنيا وأخرى وهو مصانعته كلا من القديم والحديث، وهذا الفريق أيضا من المستثنى المنقطع من قول الله السابق هدى للمتقين إلخ. أي أن القرآن غنما هو هدى للمتقين المومنين إيمانا حقيقيا الذين دلت أفعالهم على ذلك الإيمان من إقامة الصلاة إلخ. لا للناس الذين يقولون بألسنتهم آمنا وما هم بمومنين حقيقة وقد دلت أقوالهم وأفعالهم على عكس ما يظهرون.

ولقد كشف علماء النفس والسياسة الحديثان أن الدعاية لدا الأمم والدول من أكبر العوامل على كسب القلوب والتأثير عليها إيجابا وسلبا، وأنها قد تعمل ما لا تعمله السفارات ولا المؤتمرات ولا أعظم قوى حربية موجودة في العالم، ولذلك تجد ساسة الدنيا الآن يعتمدون عليها أيما اعتماد في بلوغ مآربهم وكسب الصديق والعدو والمحالف والمخالف، بل لقد خصصت لها الدول العظمى الآن وزارة من وزاراتها أو مصلحة من مصالح وزاراتها ثم اكتفت بذلك فتجد أرباب الصحف ووكالات الأخبار العالمية وهي أكبر عامل لنشر هذه الدعاية يقصدون البيت الأبيض مثلا من أمريكا، أو مكتب رئيس الوزارة بفرنسا أو إنجلترا أو وزيري خارجيتهما لتلقي هذه الدعاية ونشرها في كافة المعمورة، وكذلك راديو الحكومات دع عنك الحكومات في هذا السبيل، فإنك تجد الجمعيات والأفراد شاعرين بما لهذه الدعاية من قوى ونفوذ على العموم ولذلك يصمدون إليها في ترويج أغراضهم وبضائعهم فينشرون رواجه على أعمدة الصحف ولسان الراديو وغيرهما.

ولقد سبقهم الإسلام إلى تقدير هذه الدعاية قدرها وتقرير فائدتها حتى كان من جملة ما روي عن النبي (ص) في قوله من جملة حديث (ونصرت بالرعب) وفي حديث آخر صحيح آخر (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وهذه الآيات الكريمة المتلوة ها هنا في حق المنافقين واليهود دعاية عظمى بنشر مثالبها وإشهار مخازيها حتى لا يغتر الناس بأقوالهما وأفعالهما وطعنهما في الإسلام ومن جاء به لاسيما ما صدر من اليهود في حق نبيهم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ومواجهتهم له بسوء الدب والكلام القبيح كقلوهم لن نومن بك حتى نرى الله جهرة وكقولهم له أيضا أتتخذون عزوا، وفي حق غيره من النبياء كقتلهم بعضهم، فكأن هذه الآيات تقول للناس بعرض أحوالهم وأقوالهم: لا تستغربوا صدور ما صدر من اليهود ف يحق محمد عليه السلام فإن الخلاف فيهم متأصل وسوء أدبهم مع الأنبياء معهود وجرأتهم على الله في خلقه معلومة فانظروا ما صدر منهم مع أنبيائهم موسى ومن بعده عليهم السلام الذين هم من دمهم ولحمهم فكيف لا يصدر منهم مثله أو أشد مع نسيكم محمد عليه السلام الذي لا تربطه بهم رحم ولا صهر ولا غير ذلك، ومصاهرته لهم على

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢١٨