تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنه لما كان الغرض الأول الذي يسعى إليه الإسلام، هو تثبيت أقدام الأمة ووحدتها وحشرها في مجتمع تتميز به من غيرها من الأمم إذ لا يتم لها شيء من التشريع الديني أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي ولا غير ذلك إلا بإيجاد هذه الوحدة، وكانت هذه الوحدة لا تتم إلا بتوحيد برامجها ونظمها الدينية والسياسية وغيرها، كان أول ما بدأ به القرآن من تلك النظم توحيد نظام القبلة التي يتجه إليها كل مصل خمس مرات على الأقل في كل يوم، حيث يعتقدا أنه بين يدي مولاه يناجيه ويبثه شكواه ومطالبه، إلا فليتفطن الذين يتلون كتاب الله إلى أسراره وحكمه وما انطوى عليه من المقاصد.

وقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه) الإشارة بلفظ ذلك إلى القرآن المنزل بعضه إذ ذاك على النبي (ص) وشملت الإشارة كله وإن كان لا يشار في الغالب إلا لموجد تنزيلا لمحقق الوجود منزلة الموجود بالفعل أي ذلك الكتاب الذي يتلى بين أظهر كم ويبين لكم الحلال والحرام والواجب والمباح وقصص الأمم ويبعث على اعتناق الأخلاق الفاضلة إلى غير ذلك مما تضمنه، لا ريب ولاشك أنه وارد من قبلنا على نبينا محمد ثم أورد علة وسبب نزوله وهو هداية المتقن به فقال (هدى للمتقين)، فالهدى في الأصل مصدر وسمي به الكتاب العزيز مبالغة في الاهتداء به كأنه نفس الهدى، والمتقين اسم فاعل من اتقى بمعنى تباعد عن الشر وهو عموم تقوى ما يجلب غضب الله، وهو المعاصي ومعنى كون هذا الكتاب هاديا للمتقين أنه كاف لهم في دلالتهم على ما يحتاجون إليه في سعادتهم لاشتماله على ما فيه خيرهم دنيا وأخرى، إذ الذين اتقوا ما يجلب لهم غضب الله غير مستغنين عن الهداية به استقبالا في بعض الكليات والجزئيات لاسيما ولم يخصص القرآن هؤلاء المتقين بكونهم الذين مارسوا الشريعة وعرفوا مقاصدها وما ترمي إليه، بل ظاهره أن لفظ المتقين يشمل حتى من هو على مبادئ الإسلام الأولية كالعقيدة والصلاة والاتفاق لوصفهم بذلك فيما بعد.

وقد كان هذا في أول الإسلام حيث كانت أحكام الشريعة لا زالت لم تكمل، أما مع كمال الدين ونزول جميع الأحكام فلا يوصف بالتقوى على الإطلاق ولا بالهداية إلا من كان ممتثلا للأوامر كلها مجتنبا للنواهي كلها على قدر المستطاع، كما قال الله تعالى: «فاتقوا ما استطعتم» إذ التقوى كما يوخذ مما تقدم هو التباعد عن الشر، ولا يكون الإنسان مباعدا للشر في الشريعة وهو غير ممتثل لبعض أوامرها ونواهيها، وكذلك لا يوصف الإنسان بكونه متمكنا من الهدى حتى كأنه راكب عليه في قوله تعالى «أولئك على هدى من ربهم» وهو مجتنب لبعضه، وقوله تعالى (يومنون بالغيب) فيه حذف الصفة، أي يومنون بالغيب الوارد من قبلك عن الله وصفاته وكمالاته وعن الملائكة والنبيئين والمرسلين على جميعهم الصلاة والسلام والكتب السماوية واليوم الآخر وما فيه من وعد ووعيد إلى غير ذلك من الغيوب الواردة على الأمة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

إذ المقصود من بعثة الرسل هو تطهير النفوس من الأدران وتهذيب الأخلاق وخلق ملكة الطاعة والانقياد في الأمة إلى الحق حتى لا يعتدي بعضنا على بعض، والإيمان بالله وما عطف عليه هو أصل هذا التطهير وما عطف عليه، إذ الإنسان الذي يعلم أن له إلها عالما يراقب عليه أعماله ويحصيها عليه ثم يجازيه عليها في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى لاشك انه يتخذ الحيطة لنفسه منه فيستقرب إليه بتطهير نفسه وتهذيبها وتهذيب أخلاقها وامتثال أوامره واجتناب نواهيه حتى لا يقع في ورطة عقوبته.

وأما قوله تعالى (والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) فيحتمل أن يكون معطوفا على الذين يومنون بالغيب في الآية قبلها فيكونوا داخلين في زمرة من وصفهم الله بالتقوى قبل ذلك، ويكون المعنى هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب إلخ. وهدى للمتقين الذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وهم أهل الكتاب الداخلون في الإسلام، وهذا التفصيل الوارد في هذه الآية الأخيرة إنما هو على سبيل الإجمال في المدح فلا ينافي أن بعض الصحابة من غير أهل الكتاب كالخلفاء الراشدين أفضل من أهل الكتاب الداخلين في الإسلام، ثم يكون قوله تعالى: «أولائك على هدى من ربهم إلخ» جملتين استينافيتين قصد بل واحدة منهما مدح فريق من الفريقين وبيان درجته في الإسلام، فقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم إلى الفرق الأول، أي أنه لتمكنه من الهدى واستيلائه عليه ولو إجمالا كأنه راكب عليه، إذ على للفوقية والعلو، وقوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) إشارة إلى الفريق الثاني المفلح الظافر الفائز، والاحتمال الثاني أن يكون الذين يومنون بما أنزل إلك إلخ. مبتدأ وخبره أولئك على هدى من ربهم إلخ.

وأما قوله تعالى (إن الذين كفروا سواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون) فالمراد بالكفر ها هنا جحد شريعة النبي عليه السلام فيدخل فيهم بنو إسرائيل الذي لا زالوا على ديانتهم، أي سواء منهم آنذرتهم بالقرآن أم لم تنذرهم به ولا يومنون لك وهذا الكلام في قوة الاستثناء المنقطع مما قبل. وبيان لكون هذا القرآن رغما على ما فيه من وضوح الدلالة على الحق وعلى صدق من جاء به حتى كأنه الهدى نفسه أو كان من تمسك به متمكن من الهداية وراكب عليها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢١٧