تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أسرار بين الحكومات وموظفيها، وقد كان أخبرني هذه مدة من نحو أربعين سنة رجل كان موظفا بقنصلية ألمانيا في فاس أن القنصل الألماني إذا أتاه تلغراف من حكومته أو موظف كبير منها مثل السفير، أغلق عليه محله واختلى بنفسه لفك رموز ذلك التلغراف.

وبهذا المعنى الذي أوضحناه في هذه الألفاظ الرمزية المفتتح بها بعض السور، يظهر أن تقسيم الأئمة رضي الله عنهم ما نزل على النبي عليه السلام من قبل ربه إلى ثلاثة أقسام، قسم نزل عليه لمصلحة الخلق وإرشاده، فهو مأمور بتبليغه، وقسم نزل عليه لغير ذلك وأمر بكتمه ويكون منه هذه الرموز السرية الواردة في القرآن، وقسم خير فيه بين التبليغ وعدمه، ويظهر أن التخيير في هذا القسم إنما هو بحسب ما يظهر للنبي عليه السلام من استعداد الأمة لقبوله، وذلك كالصحيفة التي حاول النبي عليه السلام عند موته أن يكتبها فلما نازع الصحابة رضي الله عنهم ليده في كتبها أمسك عن ذلك، وعلم أنهم غير مستعدين لها، وبذلك يعلم أن معنى قوله تعالى فيما بعد وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. إلخ ليس على عمومه بل إنما يشمل القسم الأول والثالث فقط.

وقد اهتديت بفضل الله، إلى أنه من أول السورة إلى قوله سبحانه: «سيقول السفهاء من الناس» هي خطبة الكتاب العزيز غذ في هذه القطعة إجمال لما فصل في جمعيه شأن غالب المؤلفات التي هي بين أيدينا، فإنه يذكر في ديباجتها إجمال ما فصل في جميعها، فقد قسمت هذه الخطبة البشر أمام القرآن إلى ثلاث فرق مومنين بالغيب الذي جاء به الإسلام على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو روح الإسلام ولبه ومبدأه الوحيد الذي لا يتصور بدونه، وكافرين مجاهرين بالكفر ويضد ما جاء به الإسلام، ومنافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يظهرون الإسلام ويرون الكفر.

ثم بنيت أن القرآن سلم للفريق الأول مادح له بإظهار مزاياه وفضائله على سبيل الأنموذج كإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، وحرب للفريق الثاني دام له بإظهار أهم قبائحه على سبيل الأنموذج كذلك كالختم على قلبه أي جعله غير قابل للإسلام ولا مهيا لقبوله مهدد له بالعذاب العظيم، وحرب للفريق الثالث كذلك.

غير أن الفريقين الأولين لما كانت أحوالهما ظاهرة للعيان لا لبس فيها ولا تدليس أوجز القرآن في ذكرهما ووصفهما أيما إيجاز، وذلك من قوله تعالى «هدى للمتقين» إلى قوله «عذاب عظيم»، ولما كان الفرق الثالث بالتوائه وتروغه في أقواله وأفعاله قد تخفى أحواله وما يضمره على كثير من الناس أطنب القرآن في وصفه وذمه وتبيين مبادئه، وضرب الأمثال فيه تحقيرا لشأنه واستضعافا لما يتخذه من الحيطة في شأنه، وذلك من قوله تعالى «ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين» إلى قوله سبحانه «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلفكم» إلخ، ثم خاطبه بقوله تعالى: «يا أيها الناس اعبدو ربكم إلخ» ثانيا تألفا له وتذكيرا بما أنعم عليه به من خلقه وجعل الأرض فراشا له، والسماء بناء وإنزال الماء له من السماء، وإخراج النبات به ثم حاجه بعد ذلك في كفره بقدرته عليه في ضمن قدرته على خلقه وإيجاده من العدم، ثم إعدامه بعد الوجود، ثم خلقه بعد ذلك وصيرورته إلى رحمته أو نقمته، وبقدرته عليه أيضا في ضمن قدرته على أي خلق، له ما في الأرض جميعا في ضمن جميع البشر ثم استوى إلى السماء فسواها سبع سنوات، ثم ذكره بتشريفه إياه وتمييزه بشيئين هما خلافة جنه في الأرض، وسجود الملائكة لأبيهم آدم عليه السلام، وذلك على عادة القرآن من مزج القوة باللين، والوعد بالوعيد، والانتقام بالأنعام، ثم لما كان بنو إسرائيل من الفريق الثاني الذي جاهر ضد الإسلام وكان لهم إذ ذاك في جزيرة العرب مهبط الوحي قدم راسخ وتفوق على غيرهم من العرب المشركين سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية إذ كانوا لا زال لهم من بقايا دينهم مبادئ يعملون بها ويعتدون بنبراسها بخلاف مشركي العرب، فقد كانوا على الوثنية المحضة، إذا استثنينا إقرارهم بالإلاه وبعض مناسك الحج من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، وكان لبني إسرائيل أيضا مبادئ اجتماعية كقواعد النكاح والطلاق والإرث بخلاف مشركي العرب، فلم يكن لهم مبادئ قط من هذا القبيل، أما حالتهم الاقتصادية فقد كانوا أصحاب الثروة هناك والزراعة في سبل المدينة المنورة وفدك وخبير، وكان كثير من العرب عالة عليهم يعملون في ثروتهم ومكاسبهم، ولما كان بنو إسرائيل بهذه المثابة كلها التي ربما أثرت على عقول العرب وأدخلت لهم الشك في الدين زيادة على ما عرفوا به من الدهاء والإمعان في الحيل والمكر لكسب ضمائر الناس وعقولهم تصدى القرآن لخطابهم بالخصوص، ولا ينهم مرة وخاشهم أخرى، إظهارا لطويتهم وما في خبايا بواطنهم حتى لا تنطلي أقوالهم وأفعالهم وحيلهم على القلوب وذلك من قوله تعالى «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» إلى قوله تعالى «سيقول السفهاء إلخ».

ولذلك انتهت الخطبة ودخل القرآن في دور العمل والتشريع وتوجيه القلوب إلى الإسلام بشتى الوسائل كذكر الوعظ وقصص الأنبياء مع أممهم وضرب الأمثال لكل من الحسن والقبيح إلى غير ذلك من وجوه توجيه القلوب إلى الإسلام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢١٦