دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 26
أضواء على آيات قرآنية
للمرحوم: أبو بكر زنيبر
-3 -
سورة البقرة
بسم الله لرحمن الرحيم «ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه .. إلخ» هذه القطعة من القرآن، من هنا أو قول الله عز وجل «ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم» تسمى سورة البقرة، وقد سماه ملك بذلك نزل على النبي (ص) وبحضرته جبريل كما في صحيح مسلم، ولعل حكمة تسميتها بذلك التذكير بقصة البقرة المذكورة فيها، والمعجزة التي وقعت لسيدنا موسى عليه السلام ببعض تلك البقرة كلما سميت هذه السورة سورة البقرة، وذلك لأن هذه القصة غير مذكورة بعينها في التوراة التي بيد نبي إسرائيل الآن، نعم قد ذكر فيها حكم، ما إذا جهل القاتل، وهو أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان، ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من محل المقتول أيديهم على المحلة التي كسر عليها عنق البقرة في الوادي، ثم التنكيت على اليهود في إنكارهم معجزات النبي عليه السلام الدالة على نبوته، فكأنه يقال لهم كلما سميت هذه السورة سورة البقرة، إذا كنتم تنكرون معجزاته عليه السلام فمالكم لا تنكرون معجزة البقرة التي وقعت لموسى عليه الصلاة والسلام بين أظهر سلفكم مع أنه ما وقعت له هذه المعجزة في غفلة منهم، بل في حضورهم وتشبتهم في أمرها وإلحاحهم بالسؤال عن هذه البقرة ووصفها حتى كانوا على بينة من أمرها.
ثم إن لفظ (ألم) هنا، وفي غيرها من السور، وكذلك (المص) و (حم) و (حمعسق) و (كهيعص) و (طه) وما شاكلها من الألفاظ المفتتح بها بعض السور هي ألفاظ مبهمة المعنى، لم تتضح دلالتها ولا متسمياتها انضاحا لغويا سواء من حيث حروفها المقطعة، أو تراكيبها، أو سياقها، أو قرائن الأحوال المتعلقة بها، وقد كان ظهر لي في لفظ (طه) على الخصوص لاسيما على قراءة من آمال الهاء كاملة كقراءة ورش، أن طأ مهملة مختزلة من لفظ طأطئ بمعنى طأطأ رأسه ولفظ هي ضمير مبتدأ خبره محذوف تقديره حضرة القدس، ويعد الأمر طلبني بالطأطأة على ما فهمناه من لفظ طه، وإشعاره بأنه في حضرة القدس وذلك شيء يوجب الدهشة والرعب، ذكره عليه السلام ما يؤنسه ويذهب عنه روعه ودهشته، وذلك قوله تعالى «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى» وبعد هذا التأنيس والتطمين أعيد للنبي عليه السلام ذكر جلال اله مصحوبا بجماله، وذلك قوله تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلا، فهذا الجلال والجمال قوله تعالى: «الرحمن على العرش استوى» أي هو رحمان في ملكه، وإن كانت له شارات الملوك العظام وخواصها المرموز إلى جميعا بالعرش، ثم أعيد ذكر ما يقتضي الجبروت والجلال، ذلك قوله تعالى: «له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثري» وإنما فهمنا هذا الفهم بقرينة قصة موسى عليه السلام المذكور بأثرها ومخاطبة الله له بقوله: «إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى» ومع ذلك فإني لا أجزم بأن هذا المعنى هو المراد من لفظ (طه) وأقول كما قال الأئمة: الله أعلم بمراده من ذلك، بأن العجز عن الإدراك إدراك.
ومعلوم أن الله مالك الملوك سبحانه، والملوك لهم مع خواصهم أسرار لا ينبغي أن يطلع عليها عوام الناس، فيمكن أن يكون القرآن قد استعمل هذه الألفاظ رموزا للنبي عليه السلام أسرار بينه وبين ربه، هذه مدة نحو ثلاثة عشر قرنا وسبعين سنة، ثم ترى اليوم الدول المتمدنة تنهج هذا المنهج الذي نهجه القرآن مع أخص خواص الله وهو النبي (ص) في مخاطبة خواص الموظفين بالتليفون والتلغراف مخافة أن يطلع بعض الناس على أسرارها. كما نرى الأجانب يصطلحون كل يوم على لفظة يفتتحون بها مخاطبتهم اللاسلكية ويعلقونها بين أولئك الموظفين الكبار، وقل مثل ذلك في ألفاظ الحكومات الرمزية التلغرافية فإنها