الإجابة على هذا ترجع لعلم التحقيق الجنائي وهو بالطبع حديث النشأة لم يظهر لعالم الوجود إلا في أواخر القرن التاسع عشر، ويشير الأستاذ (محمد بك شعير) في كتاب له في الموضوع حول ترجمة (بصمات الأصابع والأيدي) قائلا: ليس ما نقرأه من الوقائع المدهشة (لشرلوك هولمز) و (كارتر) وأمثالهما وما يكتبه الرومانيون أمثال (كونان دويل) و (ليكوك) وسواهما وما نراه يشخص على الشاشات ودور الصور المتحركة من الروايات البوليسية الغربية التي يتعقب فيها رجال الشرطة السرية الجناة ويتعرفون أشخاصهم مظهرين حقيقة أمرهم ـ من إناء لمسوه أو وعاء أمسكوه أو كوب شربوا منه أو خزانة فتحوها ـ ليس كل هذا حديث خرافة ـ وإنما هي ثمرة العلم الحديث ونتيجة مجهودات العلماء الذين أتوا بالمعجزات في فن بصمات الأصابع والأيدي -ولم يكن استخدام بصمات الأصابع في الجنايات للتعرف على شخصية تاركها وترتيبها بطريقة ثابتة لاستعانة بها في استخراج السوابق- لم يكن معروفا في أوربا إلا حديثا فقبل سنة 1890م لم يعرف عنها شيء في الحياة العلمية الشيء الذي يجعل اختصاص اليدين والرجلين في الآية دون بقية الأعضاء معجزة قرآنية أخذت الأبحاث العلمية تكشف عنها في القرن العشرين.
ومن العجب أن ختمت السورة بما يفيد ذلك، يقول الله سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم الآية). كأنه جلت عظمته يقول: اختصاص شهادة الأيدي والأرجل دون بقية الأعضاء -أمر بشكل عليكم ولكن سأظهر لكم بعض سره في الدنيا، وقد أظهره تعالى في عصرنا الماثل- فكانت المعجزة لهذا مزدوجة -أولا اختصاص اليدين والرجلين، ثانيا ظهور ذلك بالفعل لمكان- سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، ومن معارف الكتاب وألوان أنواره الساطعة بما تضمنته من باهر الآيات، قوله تقدست أسماؤه في صورة الأنعام: «ومن برد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء» تحمل الآية في مدلولها الكريم: أن من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والأوزار -يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذ طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والتعلق بعادات الآباء والأجداد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس وتضعف إرادته لحد بعيد عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه ويشعر في الوقت نفسه بالعجز عن احتمالها ويكون مثله مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في التنفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بضيق أشد حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك -شعر بتخلخل الهواء ولم يستطع سبيلا إلى البقاء، فإن هو بقي فيها قضي نحبه اختناقا- فهنا نرى كيف ضرب الله مثلا لضيق النفس المعنوي بمن دعى إلى الحق وقد ألف الباطل وركن إليه -بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه اشرف على الهلاك وهولا محاولة هالك إن لم يتدارك نفسه وينزل من هذا الجو المختنق إلى طبقات أسفل، إنها لآية خالدة ينطق بها الكتاب المقدس من قبل أن يتفهم سرها البشر وما أدرك كنهها إلا بعد أن مضى على نزولها نحو 14 قرنا.
وتقدم فن الطيران وما إليه من خوارق الأجواء -والتجربة- صدق الكتاب ودل بوضوح على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء فكلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بمادتي الأكسجين والإدرجين الدعامتين الأساسيتين للحياة وذلك ما يحفز رجال الفن إذا ما اضطروا للتوغل في أجواء الفضاء إلى استعمال جهاز التنفس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات والاحتفاظ بحياتهم الطبيعية.
وهذه الآيات البينات التي ألمعنا إليها وغيرها كثير لم يستطع علماء التفسير إيضاحها إيضاحا يكشف ما تحمله من أسرار إذ لم يعتدوا للمودع في ثناياها إلى أن جاء الكشف الحديث وتقدمت العلوم، وأصبح في متناول البحث العلمي بيان مغزاها وكشف المراد منها حسبما أثبته العلم، ومن هذا المعنى صح ما قالوا: (الدين والعلم صنوان لا عدوان) وهكذا دواليك كلما تقدم العلم أرشد إلى إيضاح قضايا خفي أمرها على متقدمي العلماء ومنعنى بالتفسير وعلومه على الأخص -ولا بدع أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على المتقدمين- يوتي الحكمة من يشاء.
الرباط: عبد الله الجراري