الرابع والأربعين على لسان إخوة يوسف في رجاء موجه إليه (هنا نحن عبيد لسيدي، نحن والذي وجد الكأس في يده جميعا) فقال: حاشا لي أن أفعل هذا.
الرجل الذي وجد الكأس في يده هو يكون لي عبدا (أما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم) ولم يردف ذلك بقوله هل هم ذهبوا أم لا؟
وإنما أردفه برجاء لكبيرهم يهودا عارضا نفسه بدل أخيه لشيخوخة والده وخوفه من هلاكه لشدة حزنه، ثم يتلو ذلك الإصحاح الخامس والأربعون حيث يبدأ بتعريف يوسف نفسه لإخوته وهنا يحدثنا -القرآن الكريم عن طريقة استرجاع يعقوب لبصره كما حدثنا عن سبب ذهابه فأفهمنا أنه شفى بمعجزة تتلخص في وضع قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا، بيد أن التوراة لم تذكر شيئا عن هذا الأمر.
هذا عن يوسف عليه السلام
أما عن موسى فإن القرآن انفرد دون التوراة بالمعلومات التالية:
1) الشرط الذي اشترطه شعيب على موسى لتزويجه إحدى ابنتيه (على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) وقضاء موسى ابعد الأجلين.
2) إيمان السحرة الذين تحدوا موسى وسجودهم لله وصلب فرعون لهم وتعذيبهم.
3) امرأة فرعون وإيمانها خفية وأمر فرعون لهامان أن يبني له صرحا ليطلع على اله موسى.
4) انتشال جثة فرعون بعد غرقه (اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية).
5) مؤمن آل فرعون الذي أخذ يعظ الشعب ليهديهم سبل الرشاد -هذه بعض الأمثلة على هيمنة القرآن التاريخية وإنها لهيمنة تظهر بوضوح وجلاء كلما أمعن الإنسان البحث في ثناياه.
وليست هذه الهيمنة قاصرة على التاريخ فحسب بل إن جلاله وهيبته وقوة عظمته تشمل جميع النواحي فهو يبسط سيطرته الجبارة في كل ما يتناوله من تشريعات دينية وأخلاقية ونواميس تربوية واجتماعية وحقائق علمية وفلكية ومعلومات طبية وأخبار غيبية لها أسرارها الباهرة ومعارفها المشرفة تحدث عنها منذ ما يقرب من 14 عشر قرنا واليوم أصبحنا نرى أقطاب الفكر في العالم يطلعون علينا بين الفينة والفينة بنتائج أبحاثهم العلمية وعصارات أفكارهم المدهشة التي سبقوا إليها بقرون، قد لا نشك أنها ستحفزهم يوما ما للإيمان به وبعظمته وبما جاء به من مبادئ وآيات إذا ما أمعنوا النظر في آية المقدسة وما تحويه فقرها المتناسبة الخالدة من عجائب وقف دونها رجال الفكر ودكاترة المعرفة والفلسفة مشدوهين.
وليسمح لي الإخوان لأعرض أمثلة في الموضوع -كدليل- نتبين من بين سطورها تلك الأسرار القدسية الكامنة بين دفتيه يقول الله تعالى في سورة النساء: «إن الذين كفروا بئاياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب» -أعد سبحانه لجاحد آياته المنزلة على أنبيائه نارا مسعرة تشويهم وتحرق أجسامهم حتى تفقدها الحس والإدراك قال جلت قدرته: «كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب» أي كلما فقدت التماسك الحيوي وبعدت عن الحس والحياة بدلها جلودا أخرى حية تشعر بالألم وتحس بالعذاب.
يقول الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا رحمة الله عليه في كتابه (الإسلام والطب الحديث) الحكمة في تبديل جلود الكفار -أن أعصاب الألم هي في الطبقة الجلدية وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد حدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا- فهو يقول إن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم -كذا نرى هذه الجملة الشرطية الواحدة ترسم هذا المشهد المخيف العنيف الذي تتجلى بين أحرفه القوية حكمة الباري سبحانه قبل أن يعرفها الإنسان طوال 14 قرنا.
وتلك آية -يس- يقول الله تعالى: «اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون» فيخرس الله اللسان وينطق اليدين والرجلين قابلا شهادتهما وهو سبحانه يقول في الآية الأخرى: «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» سوى سبحانه بين شهادة الثلاثة، ما السر الذي يظهر في اختصاص اليدين والرجلين بالشهادة دون باقي أجزاء الجسم مع أنها كلها متساوية إذ لا يبدو تغير في هيأتها الأصلية مدة الحياة؟.