نعم أثناء الحركة، اندفع أحد الفريقين للدعوة إلى المباهلة حيث يكون مقر إقامتها الجزائر الشقيقة المجاهدة، غير أن الموقف الذي تحدثت عنه الآية، ومثال الدعوة هو ما جرى في الحركة المغربية إذ تهيب أحد الفريقين الدخول في جو المباهلة خيفة الفضيحة، ولكن أبى الله تعالى ألا تنتصر الحركات الإصلاحية ويضمحل الباطل وأهله وليست هذه أول الحركات بل تقدمتها انتفاضات أولية قام بها جماعة من الإخوان الرباطيين رحمة الله عليهم: كالحاج المعطي جوريو والحاج محمد البحراوي والأزرق -وسواهم من المشاركين فقاموا ضد فرض ضريبة جديدة عن وقاية الدكاكين (كيام) الشيء الذي دفع الفرنسيين إلى نفي بعضهم وسجن البعض فكانت تلك الوثبة كأولى وثبات وطنية ظهرت بالمغرب تلتها حركات موفقة كان النصر حليفها.
وهكذا قوة الحق إذ تجلت ارتعد الباطل لها وتقهقر فلم يكن منهم إلا أن أذعنوا للرسول صلوات الله عليه وتفادوا المباهلة، وارتضوا الجزية كما تعاهدوا أن لا يأكلوا الربا أو يتعاملوا به ثم رجعوا إلى قومهم.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فرجع وهو يقول: (والذي نفس محمد بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر).
حكمة بالغة وحجة دامغة -تحداهم النبي عليه السلام بها ـ أن يقفوا في صعيد واحد فيدعوا الله أن ينزل لعنته على الكاذبين فما كان منهم إلا أن ولوا مدبرين ولو كان الحق بيدهم لما وجلوا ولا خافوا، ولكن علموا صدق قول الرسول فخشوا العاقبة، واستنكفوا أن يهجروا دينهم إلى الدين الجديد الذي علموا أنه الحق بعد أن كانوا يظنون أنهم به سيظفرون.
ولكنها هيمنة القرآن التاريخية والعلمية- «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه».
فالقرآن العظيم له طابعه الخاص في التاريخ حيث يتناول الحوادث تناولا يدل على استقلاله العلمي وله في وسطها أسلوبه الخاص يدل على هذا الاستقلال أنه ذكر عن عيسى عليه السلام أشياء لم يتناولها الإنجيل نفسه كما أشير إليه من قبل، ولم يقتصر الأمر على الإنجيل بل إن هيمنته التاريخية تناولت التوراة في أعظم شخصياتها: موسى ويوسف وإبراهيم عليهم السلام عدا كثير غيرهم من الأنبياء الكرام.
فالتوراة لم تتناول حياة إبراهيم بين الكلدانيين ومجهوداته لإقناعهم بوجود اله واحد ومحاولته نشر دعوته وتحطيم أصنامهم وقذفهم به في النار ونجاته منها، ولم تتناول علاقته بوالده وما دار بينهما كما لم تتكلم عن إعادة بناء إسماعيل وإبراهيم للبيت الحرام، بينما تناول القرآن الكريم هذه الموضوعات بما ليس فيه زيادة لمستزيد وأسلوبه الشيق الجذاب الذي تحار أمام عظمته الألباب، أما عن يوسف فإن التوراة لم تتعرض لكيفية ظهور براءته مما نسبته إليه امرأة العزيز من اتهامه بمحاولة هتك عرضها بينما شرحها القرآن شرحا وافيا.
وشهد شاهد من أهلها -هو ابن عم لها وابن خال لها- وألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف.
«إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين» كما أن التوراة لم تتكلم عن حادث النسوة اللاتي بهرهن يوسف بجماله فقطعن أيديهن كما لم تبين لنا الموقف العظيم الذي وقفه حينما أبى الخروج من السجن إلا بعد أن تعلن براءته على الملأ وأن تسأل النسوة ليقررن الحقيقة بقول الكتاب: «قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصص الحق أنا راودته عن نفسه وأنه لمن الصادقين».
خرج يوسف ومثل بين يدي فرعون ليكون عنده المتصرف الأمين على خزائنه وأرضه وأقوات رعيته خرج ليأمر فيطاع «تزرعون سبع سنين دابا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون» طريقة طريفة فنية لحفظ القمح من السوس والتلف -لقد حار الناس كيف حفظ يوسف القمح سبع سنين إذ لم تفسر التوراة ذلك، والسوس يتسرب إلى المخزون منه بعد أربعة أشهر على الأكثر فكيف تسنى ليوسف إنقاذ مصر وإنقاذ قوتها.
هنا تظهر عظمة القرآن الكريم إذ أبان لنا تلك الطريقة العجيبة على الرغم من بساطتها.
أتى إخوة يوسف إلى مصر للمرة الثانية فاحتجز يوسف شقيقه بنيامين، ولكن التوراة أغفلت ذكر رجوعهم إلى أبيهم وأخباره بفقدان أخيهم كما لم تذكر ما ترتب على علم أبيهم بفقد ولديه العزيزين من حزن شديد كان من جرائه ذهاب بصره (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم) إذ تقول التوراة في سفر التكوين الإصحاح