يديه ولا من خلفه. وتلك بحق آيته الكبرى ومعجزاته الخالدة التي تتجلى عند المعارضة والتحدي-.
وقتما وقف أبناء الإسلام والنصرانية وجها أوجه، وظهر في الأفق دين سماوي جديد عز على اليهودية كما عز على النصرانية أن يبدو من الأعلى نبراس آخر ينجذب إليه عيون الناس وأفئدتهم وتخوف كل منهما على مكانته أن تضمحل، وأن يحتل هذا المصباح الوضاء مكانة الصدارة منهما.
أما اليهود فبعد تفكيرهم الطويل لجأوا إلى الكيد لهذا الوليد الجديد رجاء أن يكتموا أنفاسه وهو في مهده، فأخذوا يؤلبون العرب عليه، ويحرضونهم على محاربته وقد نجحوا جملة في هذا فتحالفت قبائل العرب واليهود وحاصروا المدينة في غزوة الخندق -ومما زاد في محنة المسلمين- أن حلفاء الرسول عليه السلام وهم يهود بني قريظة نكتوا عهدهم، وتخلفوا عن النبي وانضموا إلى أعدائه-، فضاقت الدنيا بالمسلمين وزلزلوا زلزالا شديدا فقد كانت بلاد الحجاز كلها تطبق عليهم في المدينة ولكنهم خرجوا من هذه المحنة آخر الأمر سالمين. وتفرق الحلفاء بعد أن صمدت لهم المدينة فاستعصت عليهم وبذلك ارتد سهم اليهود إلى نحرهم وعادوا خائبين خاسرين (حسبتهم سهاما صائبات فكانوها ولكن في فؤادي).
وطفق هذا النور الذي حاولوا إطفاءه يزداد تألقا ويسمو حتى عم الجزيرة، وأضاء العراق وفارس والهند ووصل إلى الصين، وأشرق على الشام ومصر وشمال إفريقيا ووسطها وشرقها وأطراف آسيا وقلبها وجنوبها وعبرت منارته البحر الأبيض والقلزم حتى جنوبي روسيا، أما النصرانية فنحت حياله منحى آخر -فوقفت أمامه تحاجه تريد أن تلزمه الحجة-.
لهذا وفد من نصارى نجران وفد على الرسول الأكرم محمد عليه السلام -يريد أن يتحدى الإسلام والقرءان عرض عليه النبي الإسلام فقال: (أننا نحن المسلمين حقا) فما كان منه صلوات الله عليه إلا أن أفهمهم أن ثلاثة أشياء، تمنعهم عن الإسلام: أكل الخنازير، وعبادة الصليب، وقولهم أن لله ولدا. فما كان منهم إلا أن سألوه سؤالا ظنوه معجزا وهو: (من أبو عيسى) وهنا تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه م تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة على الله على الكاذبين أن هذا لهو القصص الحق وما من اله إلا الله» وقد حسم الله بهذه الآيات هذا الخلاف فأفهمهم أن عيسى ما هو إلا عبد من عبيد الله خلقه من غير أب، وأن هناك سابقة لهذا أشد وقعا في النفس من ميلاد عيسى وهي خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وكان القرءان الكريم يرد عليهم بسؤال من نوع سؤالهم إلا وهو من أبو آدم. ثم أفهمهم أن كثرة المجادلة غير مجدية، وأنهم إذا كانوا لا يزالون يصرون على قولهم فأحسن طريقة لحسم هذا النزاع هو أن يلتجيء الفريقان إلى الله فيدعوانه أن ينزل لعنته على الفريق الكاذب منهما.
هناك ظهرت قوة الحق وبلبلة الباطل فعندما دعاهم النبي عليه السلام إلى المباهلة أرجاوه حتى يتشاوروا فلما انعقد جمعهم قال لهم رئيسه: (والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما بأهل قوم نبيا إلا هلكوا فان أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل) -ولكن محمدا صلوات الله عليه كان واثقا من نفسه ومن حقه المؤمن بربه غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه وراءهما وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمنوا.
في هذا الظرف الحاسم قال الأسقف: (يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله عز وجل أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا).
وأظن أننا لا نزال نستحضر أولى حركاتنا السلفية بالمغرب حركة الإصلاح المبنية على أساس الإنقاذ المؤرخة ب سنة 1345 الموافق 1926 م وقتا وقف فيه شيوخ الطرق المزورون وأدعياء الزوايا وأذناب الاستعمار منهم على الأخص حجر عثرة في سبيل حركة الشباب الواعي والسعي في مناقضتها والعمل على إقبارها في المهد.
إذ كانت الجزائر آنذاك تعمل على نشر الإسلام الصميم بين شباب الأمة وإنقاذ الشعب من براثن الاستعمار وسمومه الفتانة والفتاكة -فحمل راية الدعوة المغفور له (عبد الحميد بن باديس) وجماعة من إخوانه الأباة، وفتحوا مدرستهم السلفية في وجه أبناء الشعب كما بعثوا صوتهم المدوي في جنبات العالم العربي على صفحات الشهاب والبرق ضد بلاغ المشعوذ ابن عليوة المدفوع هو وجماعته من طرف الاستعمار الخبيث.