تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحقيقة أنه لولا الكتب الدينية، وما خلفه أولئك الأنبياء من تعاليم ومبادئ أخذت تنتقل من جيل إلى جيل لما علمنا شيئا عنهم- وهذا ما سبب الجهل والغموض اللذين اكتنفا زمن ظهور هؤلاء الرجال العظام حتى لا يستطيع أحد من المؤرخين أن يحدد متى ظهر موسى أو يوسف أو إبراهيم صلوات الله عليهم وان حاول شيئا من هذا فإنما هو عبارة عن تواريخ تقديرية وهمية لا ترتكز على حقيقة علمية كقولهم عن دعوة إبراهيم من دور الكلدانيين إلى أرض كنعان أنها كانت سنة 1921 قبل الميلاد، وأنه عمر 175، كما أن يوسف قبضه الله إليه سنة 1635 قبل الميلاد وموسى سنة 1451 قبل الميلاد.

وبما أن القرءان الكريم آخر الكتب السماوية نراه قد جمع كل ما في الكتب السالفة مسهبا حينا، وموجزا حينا آخر، ولكنه بحكم نزوله بعد الإنجيل قص علينا الحقبة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام بالتفصيل، فقص علينا قصة أهل الكهف وأصحاب الأخدود وغزوة أبرهة لمكة. كما أخبرنا عن عيسى عليه السلام بأشياء لم يتناولها الإنجيل، مثال ذلك تكليم عيسى الناس في المهد ونزول مائدة عليه من السماء وتكوينه من الطين على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ـ وقد اعترف الإنجيل نفسه أنه لم يلم بكل معجزات عيسى بقول يوحنا في إنجيله (وأشياء كثيرة صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة).

ونعلم أن القرءان الكريم أنزل مجزءا مفرقا حسب ما تتطلبه الحوادث -وكان في هذه الحالة داعيا إلى الأخبار بأشياء أدى إليها حب استطلاع أصدقائه وأعدائه المريدين تحديه بأسئلتهم التي ظنوها تحمل الإعجاز في ثناياها- فقص علينا قصة ذي القرنين الذي اختلف المفسرون فيه -فالبعض منهم يقول أنه- الاسكندر المقدوني، ويقول البعض الآخر انه شخص آخر مختلف عنه كل الاختلاف، ويظهر أن هؤلاء هم أصحاب الرأي الصحيح.

وقد أزال القرءان اللبس المحيط بكثير من المسائل وحددها تحديدا واضحا جليا لا غموض فيه وللقرءان ميزة تاريخية أخرى هي دقته المتناهية بحيث انك إذا أردت أن تعبر عن حادثة تاريخية تعبيرا موجزا وافيا بالغرض واضحا بينا يؤدي كل ما ترمي إليه بحيث يغني قارئه ـ وسامعه عن أي تفسير وإيضاح لم تجد مل يعادل تعبير القرءان إذ تجد فيه فوق ما ترنو إليه وتصبو.

انظر إليه وهو يصف ديانة المصريين القدماء على لسان نبيه يوسف الصديق عليه السلام في سورة يوسف قال: «يا صاحبي السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكتر الناس لا يعلمون».

وهل هناك خير من هذا وأكثر توضيحا لديانة قدماء المصريين؟

ألم يكونوا يعبدون آلهة متعددة، بل كان لكل بلدة إلهها الخاص -أرباب متفرقون-

وكان يحدث بين الحين والآخر أن تنتشر عبادة الله من هذه الآلهة عندما يعظم شأن البلدة التي -يعبد فيها-، كروع (اله عين الشمس) وآمون (اله طببة)، و (تحوت) اله العلم والحكمة وغيرها من الأسماء الخيالية التي اخترعتها عقولهم.

ولقد بين القرءان الكريم حقيقة أخرى متعلقة بديانة قدماء المصريين بإيجاز وجلاء، وهذه الحقيقة هي تبيانة-إن فرعون يعتبر في نظر المصريين إلههم الرئيسي الذي بيده كل شيء بينها الله تقدست أسماؤه في سورة النازعات: قال «فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى».

وهذا عين ما قاله التاريخ بعد أن أزيح الستار عنه وكشفت غوامضه في القرنين الأخيرين إذ كان المصريون يقدسون الملك ويعتبرونه أكبر ءالهتهم، وكانوا يسمونه (بحوريس الحي)، وقد راعوا في بناء أهرامهم وقبور ملوكهم أن تكون فوق الروابي لتتمكن الفراعنة (في نظرهم) من الإشراف على البلاد في مماتهم، كما كانوا في حياتهم، ولم يقتصر القرءان على موضع واحد في الإشارة إلى هذا الاعتقاد، بل أشار إليه في سورة الشعراء في خطاب فرعون إلى موسى: قال: «لئن اتخذت إلها غيري لجعلنك من المسجونين»، وفي سورة القصص في خطاب فرعون إلى شعبه: «وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من اله غيري».

ولكن إعجاز القرءان الكريم لا ينحصر في دقته و إعجازه البلاغي فحسب كما يفعل الزمخشري في كشافه، وعبد القاهر الجرجاني في أسرار بلاغته ودلائل إعجازه، والأصم يوسف السكاكي في مفتاحه -ولكنه يتعداه إلى إعجاز علمي يظهر في تاريخه المستقبل وحوادثه تاريخا حقا واقعيا لا يأتيه الباطل من بين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢١٠