تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 14

المرأة والمجتمع

للأستاذ: البهي الخولي

إنه لمن تعقيدات الحضارة الحديثة أن صار للمرأة قضية يكثر حولها الجدل والنقاش والأخذ والرد بين الحين والآخر فبعض الذين ينتحلون الغيرة على حقوق المرأة في هذا العصر يثيرون الضجيج حول الظلم الواقع عليها والأخذ بخناقها حتى ليخيل إليك أن هناك معسكرات اعدت للاعتقال تساق إليها المرأة في القيود والسلاسل من الحديد حيث تسجن هناك وتعذب وتضرب، وتعامل معاملة العبيد في القرون الخالية! ثم تلفت حولك فلا تجد أثرا واحدا ملموسا من مظاهر هذا الظلم، إنما هي بعض الفقافيع الطافية على سطح هذا المجتمع تذهب ها هنا وها هنا في مظهر خادع وبريق خلاب كاذب، وليس لها في الواقع من حقيقة الوجود إلى قلبها الأجوف وباطنها الفارغ من كل جد ولا مبرر لها إلا أن تقلد الغربيين تقليدا أعمى ...

ولقد أشرنا في موضوعات أخرى إلى الطلاق باعتباره قضية مزعومة من قضايا المرأة التي تثار دائما، وأشرنا إلى تعدد الزوجات، وإلى الدرجة التي تجعل القوامة للرجال دون النساء ثم اسموها قضية الحقوق السياسية لها، وانا لنؤمن إيمانا عميقا انه لا يثير الضجيج حول هذه المسائل الا تفاهة في رؤوس بعض الناس ممن اعجزهم أن يكونوا شيئا في المجتمع له قيمته فراحوا يلفتون الأنظار إلى أشخاصهم بذلك الضجيج المفتعل الذي لا يكلفهم شيئا من جهود أهل العزيمة والكفاح في سبيل المبادئ الإنسانية الفاضلة.

ونحن في رسالتنا هذه نعالج الموضوع بروح «المنطق الدقيق» الذي يتسامى في علاجه عن الخلافات دائما ويلتزم تقرير الحقائق المجردة في كل أموره دون نظر إلى أي اعتبار من الاعتبارات الأخرى.

وحين نقول «المنطق الدقيق» فقد عنينا بذلك الإسلام الصافي النقي الذي هو في حقيقته فطرة الله التي فطر الناس عليها.

خطر التقليد:

وأول ما يجب أن نلفت الأنظار إليه (وبروح هذا المنطق طبعا) هو أن بعض المنادين في مجتمعنا بحقوق المرأة متأثرون -إلى حد بعيد- بتيار التقليد لكل ما هو غربي دون التبصر لما في هذا التقليد من خير أو شر .. ونحن لا نشك في أن لدى الغرب حسنات ولكن لا نزاع كذلك في أن لديه سيئات فإذا ما قام التقليد عندنا على تخير المناسب من الحسنات كان تقليدا مأمون العواقب، والحكمة ضالة المومن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

إما إذا قام التقليد على أساس الانسلاخ من مواريثنا الصالحة وتقاليدنا الطيبة باعتبارها فاسدة لا تصلح لهذا العصر، وأن كل ما لدى الغربيين صالح بلا نزاع، فهو إعدام لكل مقوماتنا المعنوية دون تحقق لما فيها من ذاتية ثابتة تستعصي بها على ما يحاك لها وتجعلها صالحة لكل زمان ومكان ولذلك ينبغي عليها أن نحذر مسايرة هذا التيار الخطر وأن نلتزم التأني في اختيار ما هو صالح عندهم ..

***

بين الإباحية والتصون:

ولابد لنا هنا من ملاحظة ظاهرة أخرى، هي أن قضية المرأة -فيما اعتراها من شد وجذب ونقاش وجدل -دارت بين معسكرين: معسكر يرغب في التحلل والإباحية، ومعسكر يرغب في توفير كل ما في الاستطاعة من أسباب العفة والكرامة للمرأة .. أما المعسكر الأول فإنه يرى في المعسكر الآخر أنه جماعة من الرجعيين المعارضين «لنهضة» المرأة. وأما المعسكر الثاني فتزعجه دعوة التحلل ويزعجه أن يرى المرأة مبتذلة في الشوارع والأسواق، قد هجرت بيتها، ونبذت رسالتها، وفقدت حياءها وهو زينة الأنوثة فيها، فيحشد قوته ويتحصن بكل ما لديه من عزائم ليحفظ عليها كرامتها وليبقيها في بيتها .. من ذلك نرى أن المعسكرين أخذا يتبادلان الهجوم الصاعق والدفاع الحصين: هذا يشتط في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٠٣