تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الشيخ يحمل نفسه المشاق -على كبر سنه- في سبيل قضاء حاجات أتباعه ومريديه ورعاية شؤونهم، روى ابن عطاء الله أيضا أن أحد أتباع الشيخ في الإسكندرية أصابه رمد في عينه، فاستدعى له الشيخ طبيبا يهوديا من أطباء الثغر لمعالجته: ولكت الطبيب اعتذر عن مباشرة العلاج وقال الشيخ:

«لقد جاء مرسوم من القاهرة أنه لا يداوي أحد من الأطباء إلا بإذن من مشارف الطب بالقاهرة».

فلما خرج الطبيب قال الشيخ لخدامه:

«هيئوا أسباب السفر»

وسافر في الحال إلى القاهرة، وحصل على الإذن للطبيب، وعاد مسرعا إلى الإسكندرية، ولم يبت خارجها إلا ليلة واحدة، واستدعى الطبيب، وأطلعه على الإذن، فأكثر الطبيب اليهودي التعجب من هذا الخلق الكريم، ثم أخذ في شأنه ومباشرته للعلاج.

وروى ابن عطاء الله أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول:

«جهل ولاة الأمور بقدر الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، لكثرة تردده في الشفاعات».

وعلق ابن عطاء الله على هذا الرأي بقوله:

«ويجب أن تعلم أن هذا الأمر لا يقوى عليه إلا عبد متخلق بأخلاق الله، بذل نفسه وأذلها في مرضاة الله، وعلم وسيع رحمة الله فعامل عباد الله ممتثلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرجمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»».

ومع أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي كان واسع العلم والمعرفة، يستمع إليه كبار علماء عصره فيبهرهم حديثه، ويقول كبيرهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

«اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله».

مع هذا لم يعرف أن أبا الحسن ألف كتبا، وكل ما وصلنا من أثاره العلمية الصوفية هو ما نقله أصحابه عنه من وصايا وأقوال مأثورة وأدعية وأحزاب وأوراد، وكان الشيخ يرى أن كتبه هي تلاميذه وأنه خير له أن يخرج على يديه تلميذ يفهم علومه وروحانيته من أن يؤلف كتابا قد يقرأه البعض أو لا يقرأونه، وقد يفهمه البعض ويعجز عن فهمه البعض الآخر.

روى ابن عطاء الله أن أحد الأتباع سأل الشيخ مرة:

«لم يا سيدي لا تضع الكتب في الدلالة على علوم القوم؟»

فأجاب الشيخ: «كتبي أصحابي».

غير أن الأقوال والأحزاب التي وصلتني عن الشيخ تدل على أنه كان قد رق قلبه ورق حتى لم يعد يشغله غير حب الناس سبحانه وتعالى، وأن نفسه صفت وصفت حتى لم تعد تلجأ إلا إلى الله سبحانه، وأن روحه علت وعلت حتى أصبحت أقرب ما تكون إلى الله سبحانه.

وهذه الأحزاب تدل كذلك على أن أبا الحسن كان أديبا ممتازا ذا أسلوب جميل رائع، فإني لا أكاد أعرف أني قرأت الأدب المأثور أجمل مما قال الشيخ أبو الحسن في حزب البر، استمع معي إليه وهو يقول:

«اللهم إنا نسألك لسانا رطبا بذكرك.

وقلبا منعما بشكرك.

وبدنا هنيا لينا بطاعتك.

واعطنا مع ذلك مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر -كما أخبر به رسولك صلى الله عليه وسلم- حسب ما علمته بعلمك.

واغننا بلا سبب.

واجعلنا سبب الغنى لأوليائك.

وبرزخا بينهم وبين أعدائك.

إنك على كل شيء قدير.

اللهم إنا نسألك إيمانا دائما.

ونسألك قلبا خاشعا.

ونسألك علما نافعا.

ونسألك يقينا صادقا.

ونسألك العافية من كل بلية.

ونسألك تمام العافية.

ونسألك دوام العافية.

ونسألك الشكر على العافية.

ونسألك الغنى عن الناس.

واستمع إلى هذه المناجاة الإلهية في قوله:

«اللهم وارأف بنا رأفة الحبي بحبيبه عند الشدائد ونزولها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٠١