روى صاحب درّة الأسرار على لسان الشيخ أبي الحسن نفسه أنه قال:
«كنت بالمنصورة فلما كانت ليلة الثامن من ذي الحجة بت مشغولا بأمر المسلمين، وبأمر الثغر خصوصا -يعني دمياط- وقد كنت أدعو الله وأتضرع إليه في أمر السلطان والمسلمين، فلما كان آخر الليل رأيت فسطاطا واسع الأرجاء عاليا في السماء، يعلوه نور، وتزدحم عليه خلق من أهل السماء، -وأهل الأرض عنه مشغولون- فقلت: «لمن هذا الفسطاط؟» فقالوا: «لرسول الله صلى الله عليه وسلم»».
فبادرت إليه بالفرح ولقيت على بابه عصابة من العلماء والصلحين نحوا من السبعين أعرف منهم الفقيه عز الدين بن عبد السلام، والفقيه مجد الدين مدرس قوص زه والفقيه الكمال بن القاضي صدر الدين، والفقيه المحدث محي الدين بن سراقة والفقيه عبد الحكيم بن أبي الحوافز، ومعهم رجلان لم أعرف أجمل منهما غير أنب وقع لي ظن في حالة الرؤيا أنهما الفقيه زكي الدين عبد العظيم المحدث والشيخ مجد الدين الأخميمي، وأردت أن تقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فألزمت نفسي التواضع والأدب مع الفقيه ابن عبد السلام، وفلت لا يصلح لك التقدم قبل عالم الأمة في هذا الزمان، فلما تقدم وتقدم الجميع ورسول الله صلى اله عليه وسلم يشير إليهم يمينا وشمالا: أن أجلسوا، تقدمت وأنا أبكي بالهم وبالفرح، أما الفرح فمن أجل قربي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسب، أما الهم فمن أجبل المسلمين والثغر، وهم طلبي إليه صلى اله عليه وسلم، فمد يده حتى قبض على يدي وقال:
«لا تهتم كل هذا الهم من أجل الصفر، وعليك بالنصيحة لرأس الأمر -يقصد السلطان- فإن ولى عليهم ظالم فما عسى؟» - وجمع أصابع يده الخمس في يديه اليسرى -كأنه يقلل المدة، وإن ولى عليهم تقي «فالله ولي المتقين»، وبسط يده اليمنى واليسرى، وأما المسلمون فحسبك الله ورسوله وهؤلاء المؤمنون، وقال: «ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حرز الله هم الغالبون» وأما السلطان فيد الله مبسوطة عليه برحمته ما والى أهل ولايته، ونصح المؤمنين من عباده فانصحه واكتب إليه، وقل في الظالم عدو الله قولا بليغا، «واصبر أن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون».
فقلت: «نصرنا ورب الكعبة. وانتبهت».
هذه الرؤيا تدل على أن الشيخ أبا الحسن كان يقض مضجعه هذا الخطر الجاثم على ثغر دمياط والزاحف نحو لجنوب، يدعو الله مخلصا في يقظته في منامه أن يكشف الغمة ويغيث الأمة ولم تنقض أيام قليلة حتى تحققت بشرى الرسول عليه السلام، وانتصر المصريون، وهزم الفرنجة وأسر ملكهم لويس التاسع، ثم جلوا جميعا عن مصر بعد قليل.
كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي أشد الناس فرحا بهزيمة الصليبين ورحيلهم عن مصر، وقد عاد بعد هذا إلى الإسكندرية، وتابع سيرته الأولى في الحياة يدرس ويعظ ويتعهد أرواح تابعيه ومريديه بالتهذيب.
وأصبحت لأبي الحسن مكانة مرموقة في المجتمع المصري يقصده الكبار ورجال الدولة والعلماء والعامة في حاجاتهم، يقصده الكبار والعلماء يستزيدون من علمه وتعاليمه، ويقصده الصغار والعامة يلتمسون منه البركة ويستشفعون به لدى رجال الدولة لقضاء مطالبهم.
وكان الشيخ لا يرد إنسانا يقصده بل يسعى لإجابة كل إلى مطلبه، روى ابن عطاء الله أن فقيها من طلاب العلم قصد الشيخ مرة يستشفع به لدى القاضي تاج الدين بن نبت العز كي يزيد في راتبه عشرة دراهم، فذهب الشيخ إلى تاج الدين وأكبر تاج الدين مجيئه إليه فأسرع يرحب به وسأله فيم مجيئه، فقال الشيخ:
«من أجل فلان الطالب كي تزيده في مرتبه عشرة دراهم»
فحاول القاضي أن يعتذر، وشرح للشيخ كيف أن لهذا الطلب مرتبات أخرى من جهات متعددة، فقال له:
«يا سيدي هذا له في المكان الفلاني كذا، وفي المكان الآخر كذا، وفي الموضع الفلاني كذا وكذا».
ولكن الشيخ لم يقتنه بهذا الجواب وقال للقاضي:
«يا تاج: لا تستكثر على مؤمن عشرة دراهم تزيده إياها، فإن الله تعالى لم يقنع بالجنة للمؤمن جزاءا حتى زاده النظر إلى وجهه الكريم».